نعرض في الفقرات التالية أبرز الحوافز التي تدفع أشخاص لتقديم افادات كاذبة في المحاكم الدولية وكيف يستغل المحققون الفقر لجمع الافادات التي تناسبهم


تؤمن المحاكم الدولية خدمات ومبالغ من المال لتغطية نفقات «الشهود». فاضافة الى كلفة السفر الى مقرّها في لاهاي، تغطي المحكمة الدولية كلّ نفقات عائلة «الشاهد» خلال السفر. تخصص المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، مثلاً، مبلغ 110 دولارات أميركية لكل شاهد يومياً علماً أن معدّل الدخل الفردي في رواندا لا يتجاوز 250 دولاراً أميركياً سنوياً. هذا المبلغ يعدّ مقابل «الراتب والارباح التي فقدها الشاهد اثناء تقديمه شهادته».

بالاضافة الى هذا المبلغ تغطي المحكمة الدولية كلفة الطعام والاقامة والنقليات والملبس. وتتيح المحاكم الدولية لكل شاهد اصطحاب شخص واحد معه تغطي كامل نفقاته. وتقدم المحاكم الدولية خدمات طبية للشهود، فقد أنشأت المحكمة الدولية لسييراليون، مثلاً، عيادة طبية خاصة بها لتقديم العلاج الصحي على المدى الطويل. ويستفيد نحو 200 شاهد من هذه الخدمات في سييراليون. وبعضهم ممن قدموا شهاداتهم أمام المحكمة عام 1997 ما زالوا يتلقون الخدمات الطبية من هذه العيادة.
وتفوق قيمة المخصصات المالية لتغطية نفقات الشهود معدل دخلهم وانفاقهم في حياتهم العادية وبالتالي لا شك ان تلك المخصصات تشكل حوافز للشهادة أمام المحكمة حتى لو كانت الشهادة كاذبة أو غير دقيقة.
وعلى الرغم من ان المبلغ المخصص لشهود المحكمة الدولية لسييراليون لا يتجاوز نحو خمسة دولارات يومياً، فان هذا المبلغ يزيد خمس مرات عن معدّل الدخل للفرد في سييراليون والذي لا يتجاوز دولاراً أميركياً واحداً يومياً.
أحد الشهود في المحكمة الدولية لسييراليون اعترف بأنه كذب بشأن عمره الحقيقي لأنه كان يعتقد بأنه اذا كان بعمر أكبر سيتقاضى مزيداً من المال. أما في المحكمة الخاصة بتيمور الشرقية فاعترفت «شاهدة» أنها قدمت افادة كاذبة لأنها كانت تريد الحصول على مغسلة ومواد بناء اعتقدت أن الامم المتحدة توفّرها مقابل شهادتها.
أما بشأن «الشهود» المقنعين والسريين الذين يعدهم الادعاء مقربين من الأشخاص المتهمين فيحصلون على أكثر من ذلك بكثير. فـ»الشاهد» المقنع في المحكمة الدولية لسييراليون الجنرال جون تارنو، مثلاً، الذي أدخل برنامج حماية الشهود، حصل على ما يوازي 90 الف دولار أميركي كبدل لنقله وعائلته من ليبيريا الى غانا. أما «الشاهد» المقنّع جورج جونسون فلقي من المحكمة نفسها معاملة شبيهة مقابل افادته تحت قوس المحكمة.
واعترف أحد المدعين العامين في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ايريك ستوفر بأن المخصصات المالية تشكل حوافز للشهود. اذ ذكر في أحد التقارير الرسمية: «اننا نمتنع أحياناً عن اعلام الشاهد بكامل اجراءات الحماية التي نؤمنها، فاذا لم نفعل ذلك سيكون هناك عدد هائل من الشهود الذين يطالبون بنقلهم الى دول أخرى».
وفي لبنان، وفي ضواحي بيروت والمناطق الريفية في البقاع والجنوب تحديداً، كما في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، حيث لحزب الله شعبية واسعة، يوجد عدد كبير من الأشخاص الذين يعانون من الفقر والبطالة ويتذمّرون من حياتهم في لبنان، ويعبر هؤلاء عن رغبتهم في الهجرة. وبينما قد يرفض معظم هؤلاء أن يكونوا شهود زور لتسهيل استهداف حزب الله، يرجّح أن يرضخ بعضهم للمغريات. فبرنامج حماية الشهود يعرض عليهم الهجرة الى دول غربية وتسهيلات حياتية لهم ولذويهم لمدى الحياة، ويشكل ذلك اغراء يصعب على من يعاني الفقر الشديد رفضه.
غير ان المال ليس الحافز الوحيد لتقديم شهادة كاذبة أمام المحاكم الدولية بل هناك حوافز أخرى تتعلّق بصراعات بين المتهمين وشهود الزور. ففي المحكمة الدولية لرواندا اعترف أحد الشهود المقنّعين بأنه قدم افادة كاذبة بشأن المتّهم فرانسوا كاريرا استجابة لطلب شخص يدعى موتابازي مقابل مبلغ من المال. وشرح شاهد الزور المقنّع أن موتابازي كان يريد أن يُبقي كاريرا في السجن لأنه لم يرد أن يعيد له أموالاً استدانها منه سابقاً. أما في لبنان فالانقسام السياسي والطائفي والمذهبي والكراهية غير المسبوقة التي يتعرّض لها حزب الله من فئة من اللبنانيين قد تدفع البعض من هذه الفئة الى قبول الشهادة زوراً ضدّ منتسبين في الحزب وقيادتهم. وان دعم السفارة الأميركية في عوكر (وسفارات غربية أخرى تصنّف بلادها حزب الله تنظيماً ارهابياً مثل كندا) وتشجيعها كلّ من يقدم على خطوة تستهدف حزب الله بالمال والحماية الامنية وغيرها من التسهيلات، قد يساهم في تأمين «شهود» اضافيين لصالح الادعاء في المحكمة الدولية. وفي هذا الاطار يذكر الضغط المستمرّ من قبل السفيرة الاميركية نورا كونيللي وغيرها من سفراء الدول الغربية على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وعلى الوزراء وسائر المسؤولين لحضّهم على «التعاون» مع المحكمة الدولية، وهو ضغط يصل أحياناً الى حدّ التهديد والترهيب.
حافز ثالث للشهادات الكاذبة أمام المحكمة الدولية هو استسهال تقديمها. فالمحاكمات ستكون غيابية ويالتالي لا خشية من مواجهة الاشخاص الذين استند الى الافادة لاتهامهم وجهاً لوجه. ومقرّ المحكمة موجود في اوروبا وهناك ضمانات أمنية وتسهيلات مادية وتشجيع غربي. ولا خشية من الانكشاف حيث ان الاعلام العالمي بمعظمه ضدّ حزب الله (انطلاقاً من أنه ضدّ كل من يهدّد أمن اسرائيل).
أما الحافز الرابع فيخصّ فئة من الأشخاص الذين يسعون لدخول برنامج حماية الشهود بهدف افلاتهم من الملاحقة القضائية في قضايا جنائية أخرى. ويرجّح أن لا تقبل افادات هؤلاء الا اذا كانت تتضمّن معلومات تتيح تثبيت الجرائم على المتهمين أو تتيح ربطهم بقيادات حزب الله.




محكمة لضرب الاستقرار

تعاني المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومكتب المدعي العام والقلم فيها تحديداً، من توتر واضطراب شديدين من كلّ ما يمكن أن يدحض مضمون القرار الاتهامي والمواد المؤيدة له. وتصدر عن مقرّ المحكمة في لاهاي اجراءات قمعية تنتهج سياسات تعتمد التهديد الاداري، في تخط واضح لمعايير العدالة. أما قاضي الاجراءات التمهيدية فيراعي المدعي العام الى أقصى الحدود عبر قبوله بنسبة عالية وغير مبرّرة عدلياً من السرية. كلّ ذلك يشكل عقبات صعبة التجاوز للمحاكمة العادلة. فالشفافية عبر علنية الجلسات وتحديد الشهود والوقائع ومصادرها بشكل دقيق هي ضمانة العدالة. أما عدم احترام صلاحيات الدفاع على أساس انها صلاحيات توازي صلاحيات الادعاء فيثير الشبهات في مسار المحكمة الدولية وبأهدافها الحقيقية. وفي هذا الاطار لا بد من الاشارة الى تدخّل رئيس القلم هيرمان فون هابيل في العديد من الامور المرتبطة بسير الاجراءات وببرنامج حماية الشهود وبعمل فريق الدفاع لاحداث خلل في التوازن بين الادعاء والدفاع. ويسعى القلم عبر مكتبي التواصل والعلاقات العامة التابعين له الى تبييض صورة المحكمة الدولية في لبنان عبر تخصيص أموال باهظة لزيارات طلاب كليات الحقوق في الجامعات المحلية الى لاهاي. وباستثناء تركيز بعض القضاة مثل القاضي رالف رياشي على الجانب الاكاديمي البحت لتلك الزيارات، بدت المحكمة أمام الطلاب متحمّسة للتشديد على تطبيق مذكرات التوقيف بحقّ اربعة رجال مقاومين في حزب الله. وحماس كهذا يساهم، من دون أدنى شكّ، في تحريض اللبنانيين على بعضهم بعضاً. يتبين بالتالي ان لا شأن للمحكمة الدولية في الحفاظ على الاستقرار في لبنان الذي عانى وما زال يعاني ويلات حروب قتلت نحو 150 ألفاً من ابنائه وأخفت 17 ألفاً منهم.