لم تعد زراعة التين «موضة» قديمة في الزراعات البقاعية. فبعدما كان تسويق «أكواز» التين يقتصر على التجوال بين الأحياء في المدن أو عرضها على البسطات الصغيرة على جوانب الطرقات، ها هو التين اليوم «يدخل» الأسواق من بابها الواسع. ففي البقاع، مثلاً، تكفي جولة صغيرة على الأسواق هناك، لنعرف أن هذه الثمار لم تعد «دقّة» قديمة.


فمنذ فترة بدأت تحتل مكاناً لها بين الكثير من أنواع الفاكهة، موضبة في صناديق خشبية، تراوح سعتها ما بين 2 و3 كلغ. أما أسعارها، فتخضع كغيرها لسوق العرض والطلب وجودة البضاعة، وتراوح إجمالاً بين 800 و 1500 ليرة لبنانية «بالجملة».
هكذا، عادت شجرة التين إلى سابق عهدها، ويكمن السبب ــ بحسب المزارع محمد سلوم ــ في «الأزمات الزراعية المتلاحقة التي دفعت بالكثيرين للتفتيش عن زراعات قديمة، ظن البعض أنها أصبحت من الماضي». سلوم، الذي «قلع» أشجار بستانه القديمة واستبدلها بنصوب التين، كان «يطمح» إلى زراعة كهذه، وخصوصاً أنها «لا تكلف شيئاً، مقابل ارتفاع مصاريف إنتاج بقية الأشجار المثمرة الحديثة».
يصف سلوم عملية غرس أشجار التين بالـ«سهلة جداً، إذ يكفي أن يؤخذ فرع من أغصان شجرة معمرة، ويطمر في التربة بعمق يراوح من 40 إلى 60 سنتيمتراً، على أن يجري ذلك مع بداية فصل الشتاء، أو في نهاية شهر شباط قبل نمو الأوراق والفروع الجديدة». ويضيف سلوم أنّ «من المستحسن أن تضاف كمية من المياه حول الغرسات، لأن ذلك يساعد في تموضعها في التربة بنحو أفضل، وبالتالي يمنع الهواء من التسرّب إلى الداخل». أما فترة نموها، فتراوح بين 3 و6 سنوات «وهي فترة قصيرة إذا ما قورنت بالفترة التي تحتاجها بعض الأصناف الأخرى».
من جهته، ينصح المزارع محمد مجيد بزرع أشجار التين في الأراضي البعلية، وعدم ريّ نصوبها تجنباً لإصابة ثمارها بحشرة الدود التي تغزوها خلال فترة نضجها، إذ «أثبتت التجارب أن التين البعل أفضل من حيث الجودة ونسبة حلاوته، بعكس تلك المرويّة التي تفسد وتفقد نكهتها في فترة قصيرة». ويعدّد مجيد بعض أنواع التين، وهي «القراصي والسكري والأسود والشمّوطي». ما يقوله مجيد يخالفه فيه غنام غنام، فهذا الأخير يرى أن «من الضروري سقاية أشجار التين بكميات قليلة بمعدل مرة واحدة كل أسبوعين تقريباً، لأن ذلك يساعد على نموّها ويزيد من حجم الأكواز وتكوّرها على نحو أسرع من التين البعليّ، لأن الأخير ينتج ثماراً صغيرة الحجم، وليس صحيحاً أن المياه هي السبب الرئيسي لآفة الديدان التي أصبح بالإمكان مكافحتها بالمبيدات والأدوية الزراعيّة». غنام، الذي يتنعّم بزراعته الجديدة، يأسف لعدم توسع المساحات المزروعة بالتين. ويقول إنه «رغم زراعة مساحات جديدة بنصوب التين في السنوات الأخيرة، إلا أن هذه الزراعة تبقى خجولة مقارنةً بآلاف الأشجار التي كانت تغطي أراضي واسعة في الأرياف، والتي كانت حتى منتصف ستينيات القرن الماضي تُسهم في دعم الاقتصاد الريفي».
بدوره، يستحضر المزارع إبراهيم الخطيب الحقبة الأربعينية من القرن الماضي «عندما كان والدي يصطحبني معه إلى مدينة زحلة لنبيع إنتاج التين الذي كنا نعبئه بسلال مصنوعة من القصب أو مستوعباتٍ من التنك»، متمنياً على الأجيال المقبلة إعادة إحياء «هذه الزراعة التي كانت تأتي بمردود مادي جيد للعائلات الفقيرة في القرى، إذ يمكن في حال تطويرها وتلقيها دعماً من الدولة أن تعوّض جزءاً من الخسائر التي لحقت بالقطاع الزراعي في السنوات العشر الأخيرة». وعن كيفية جني المحصول وتجفيف الثمار، يوضح الخطيب أن فترة القطاف تمتد من منتصف تموز إلى أواخر تشرين الأول، يمكن خلالها تجفيف الكميات التي يصعب تسويقها.
يذكر أن هناك أنواعاً عدة من أشجار التين، أفضلها، العناقي والشحيمي والعجلوني. وقد أجمع خبراء التغذية على فوائد ثمار التين التي تحتوي على الفيتامينات أ وب وث، ونسبة عالية من المواد المعدنية كالحديد والنحاس والكلس، وهي مواد تساعد على تجدد الخلايا في الجسم وتنظم الدورة الدموية ومعالجة عوارض التقرّن. كذلك يمكن استخدام التين المنقوع بالمياه، لمعالجة التهابات الجهاز التنفسي والإمساك المستعصي والتخفيف من حدّة السعال الديكي، فضلاً عن أن تناول التين المجفف يعطي مقداراً عالياً من الحرارة لمقاومة برد الشتاء. أضف إلى ذلك أن العصير الأبيض الذي تفرزه الثمار غير الناضجة، كان قبل ظهور «خميرة الجبن»، يستخدم لتجميد الحليب تمهيداً لتحويله إلى جبنة بيضاء.