في العصور القديمة، سيطر الفينيقيون على طرق التجارة في «المتوسط»، فكانوا أول من اشتهر ببناء سفن خشبية ضخمة (35 متراً طولاً و12 متراً عرضاً) مستخدمين خشب جبل لبنان من الأرز والصنوبر. بهذه السفن تاجر الفينيقيون مع مصر وبلاد ما بين النهرين. ومن المرجح أن استثمار هؤلاء الكثيف لتلك الغابات أدى إلى بداية انحسارها. وقد عمد الملوك البابليون من بعدهم إلى وضع كتابات عملاقة على مداخل الغابات لتأكيد ملكيتهم لها، لكونها تابعة لسلطة نفوذهم.


وكتابة بريصا في الهرمل هي أطول كتابة مسمارية في العالم، وهدفها تأكيد استثمار نبوخذ نصر للغابات. وفي الفترة الفارسية، ضُمّت معظم غابات جبل لبنان إلى ما كان يعرف باسم «الباري ـــ ديسا»، أي «الحدائق المسوّرة الملكية»، وهي مناطق يعود إنتاج أخشابها حصرياً لبناء الأسطول البحري، وتبقى أرضها مركز صيد للعائلة الملكية فقط. وأخذ اليونان هذا التنظيم عن الفرس، وحافظ عليه الرومان، فضُمت الغابات إلى «الباتريمونيوم»، أي الأراضي الخاصة بالدولة. وتشهد «نقوش الإمبراطور هادريانوس» (117_138م) المنتشرة في الاجزاء الشمالية من السلسلة الغربية على ذلك. الإمبرطور هادريانوس أراد بهذه الكتابات أن يحدد للسكان ما هو ممنوع قطعه وما هو مسموح، لأن الإمبراطور بحاجة إليها لبناء أسطوله. والممنوعة هي أشجار الأرز والشربين واللزاب والسنديان. وهذه السياسة المعتمدة من قبل الرومان تظهر مدى انحسار الغابات قبل ألفي سنة، وهي آخر شاهد على وضع الأشجار في جبال لبنان. فمن القرن السابع إلى القرن الخامس عشر، لا تذكر المصادر التاريخية هذه الثروة الوطنية، فتضيع المعلومات عنها. ولكن، متابعة التطور السكاني في جبل لبنان يشرح ما حصل.
فمن القرن السابع الميلادي، تحول الجبل تدريجاً من منطقة متوسطة الكثافة السكانية إلى منطقة تكثر فيها التجمعات البشرية. وكان معظم سكان الجبل مزارعين ورعاة ماعز، عملوا بقوة على تحويل الجبال إلى مدرجات زراعية، لا يزال بعضها واضحاً ويشهد على صعوبة الإنجاز. ولكن هذه المدرجات تمت بعد قطع الغابات، حيث استعملت أخشابها للتدفئة والطهي. وفي القرن الثالث عشر، شهد الجبل اللبناني على الحملات العسكرية المملوكية التي تميزت بالقطع الكثيف للغابات وحرقها بهدف ضبط المناطق الجبلية الاستراتيجية. ومن طرائف المصادر التاريخية بهذه الفترة، قصة شجر «القوق»، وهي نوع من الشوح أو العرعر استغله المماليك بشكل خاص في مرتفعات جبل الباروك من أجل صناعة السهام اللازمة لقواتهم المتمركزة في دمشق. وكان، بحسب قوانين تلك الفترة، على سكان المنطقة استضافة العسكر وتقديم المسكن والمأكل لهم كلما قرروا قطع الأغصان من أجل صناعة السهام. ويبدو أن أعباء استضافة العسكر كانت لا تطاق، فعمد السكان إلى قطع غابات «القوق» بشكل شبه تام قبل أن يصل إليها الجنود!
ولا ذكر لغابات كثيفة في جبل لبنان في الفترة العثمانية، حيث كانت تزرع الأشجار في بعض المناطق لأغراض اقتصادية، كما الصنوبر في المتن. وفي القرن التاسع عشر، بلغ جبل لبنان الحد الأقصى من سعته الديموغرافية، وكانت معظم أراضيه قد تحولت إلى مدرجات زراعية لتأمين المأكل للسكان. ودراسة الصور الفوتوغرافية العائدة للنصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تظهر جبال عارية تنتشر على سفوحها القرى والمدرجات، مع غياب لافت للغابات. وفي الحرب العالمية الأولى والثانية، استخدم الحلفاء أشجار آخر غابة في لبنان ـــ القموعة ـــ كوقود للقطارات ولبناء سكك الحديد. وخلال الانتداب، عمل الفرنسيون على التشجير، فزرعوا أشجار الكينا على جوانب الطرق وفي مناطق المستنقعات لتجفيفها.
منذ النصف الثاني من القرن العشرين، انحسر قطع الأشجار من أجل الاستعمالات المنزلية مع انتشار استعمال الأدوات الكهربائية، ونزحت في هذه الفترة أعداد هائلة من سكان القرى نحو المدن، الأمر الذي أدى إلى إهمال مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية في المدرجات التي عادت لتتحول ببطء إلى غابات.
«لبنان الأخضر» أسطورة تضاف إلى الأساطير الأساسية لتاريخ لبنان، والتي استخدمت كثيراً لإظهار تفرد لبنان عن محيطه «الصحراوي». وللأسف، لا تزال الجهات الرسمية والحملات الدعائية تحمل هذا الشعار، من غير أن يكون هناك خطة واضحة وشاملة لإعادة تشجير حقيقية يمكنها أن تحول الأسطورة إلى واقع ويصبح لبنان أخضر بحق.
* أستاذ تاريخ في مدرسة
مار يوسف عينطورة