ذاع صيت خشب أرز لبنان في العصور القديمة. وذكرت أشجار الأرز في كتاب العهد القديم على أنها «مجد لبنان»، كما وصفها الكاتب والشاعر الفرنسي ألفونس دولامرتين، الذي زار جبل لبنان ما بين عامي 1832 و1833، بأنها «أشهر نصب طبيعي في العالم». ومنذ عام 1920، والأرزة تزيّن علم لبنان، وبقيت على العلم ولا تزال رمزاً للوطن المستقل، رغم تغيير شكله في خضم معركة الاستقلال عام 1943. مع كل هذه العظمة، لم تحظ شجرة الأرز بالاهتمام الكافي، إذ تقلصت الرقعة التي كانت تشملها غابات الأرز بفعل عمليات القطع الكثيفة منذ العصور القديمة من مساحة 500 ألف هكتار إلى مساحة ألفي هكتار، وقد أدرج الأرز على لائحة الأنواع المهددة بالانقراض التي أعدّها الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة.

شجرة الأرز، التي يبلغ عمر أقدمها ألف عام، بخلاف الاعتقاد السائد عن أن عمرها يفوق الثلاثة آلاف عام، تحتاج إلى الثلج ومياه الأمطار من أجل متابعة عملية تكاثرها الطبيعي. لكن، بما أن الاحتباس الحراري يقلص أيام فصل الشتاء في لبنان، ويقلل من تساقط الثلوج ـــ مع تقديرات جهات لبنانية مختصة أن الغطاء المكوّن من الثلوج سوف يتراجع 40% حوالى عام 2040 في لبنان ـــ فإن هذه الثروة مهددة بالتراجع أكثر. وفي مقالة نشرتها جريدة الغارديان البريطانية، يقول الدكتور نبيل نمر، رئيس قسم الهندسة الزراعية في جامعة الروح القدس الكسليك ومنسق مشروع دعم المحميات الطبيعية في لبنان، إن «مشاكل الاحتباس الحراري لا تتوقف على قلة تساقط الثلوج، بل يضاف إليها تكاثر الحشرات التي تفتك بالأشجار وتعرّضها للأمراض، ما يسبّب موتها». وفي هذا الإطار، «أجريت دراسة لفصيلة واحدة من الحشرات، وتبيّن أن الاحتباس الحراري يزيد من نشاطها، واسمها العلمي Cephalcia tannourinensis، وهي من أبرز الحشرات التي تهدد الأرز، وكانت قبل سنين قد فتكت بأرز غابة تنورين».
أما في إطار الأزمات السياسية في لبنان، فإن معركة المحافظة على الأرز صعبة. ففيما السلطات اللبنانية أبدت قلقها مما يتهدد رمز لبنان، لم تقم بما هو كفيل من أجل إيقاف عملية قطع الأشجار أو إعادة التشجير. وكالعادة، تبقى الهمة في العمل على المبادرات الفردية وعمل الجمعيات الاهلية والجامعات الخاصة، التي تتعاون معها وزارتا الزراعة والبيئة، من دون أيّ خطة واضحة وكفيلة بضمان مستقبل شعار لبنان، رغم المتغيرات المناخية. وتجدر الإشارة إلى أن علم لبنان هو الوحيد عالمياً الذي يحمل شعاراً مستوحى من الطبيعة، ويمكنه أن يصبح رمزاً للحركات المدافعة عن البيئة عالمياً، ولكن ذلك لا يتم بالمبادرات الفردية فقط، بل بالخطط الطويلة الأمد.
عن «الغارديان» بتصرّف