دمشق | سوريا هي أرض الحضارات. وهذا ليس قولاً فقط. فعلى تلك الأرض يتوزع أكثر من 10 آلاف موقع آثري ومعلم تاريخي تؤكد جميعها عراقة هذا البلد. لكن هذا التاريخ لم يسلم من براثن الحرب الجارية، وإن كانت المعلومات حتى الآن عن الأضرار لم تحسم بعد بسبب استحالة وصول الخبراء إلى المواقع الأثرية لإجراء تحقيق ميداني يكشف حقيقة ما يجري. ومع استحالة الوصول، تبقى المديرية العامة للآثار والمتاحف الجسم الوحيد القادر على إعطاء صورة عن الأضرار، فكان هذا الحديث مع مديرها العام الدكتور مأمون عبد الكريم.


الحائط خلف كرسي المدير العام للآثار والمتاحف في سوريا الدكتور مأمون عبد الكريم، في مكتبه الواقع خلف المتحف الوطني في الشام، يعجّ بالصور. هي صور الحملة الوطنية لإنقاذ آثار سوريا، التي يبدأ الحديث من عندها بالقول «الحرب الدائرة على عموم الأراضي السورية شملت البشر والحجر وجميع نواحي الحياة، بما فيها الآثار التي تعتبر تراثاً حضارياً لجميع السوريين، مهما كانت انتماءاتهم الفكرية أو توجهاتهم السياسية، سواء موالية أو معارضة».
هذه الحرب الدائرة كان لها الكثير من النتائج السلبية. نتائج دفعت بعبد الكريم إلى تقسيم المواقع الأثرية وأضرارها إلى ثلاثة محاور، أوّلها محور المتاحف «التي تتوزع في غالبية المدن السورية الكبيرة»، وهي التي «استطاعت المديرية تأمين حمايتها»، يقول عبد الكريم. كيف؟ يؤكد أنه «تم إخفاء محتويات المتاحف النادرة في أماكن آمنة، بعيداً عن أيدي اللصوص أو المواجهات المسلحة التي قد تلحق الضرر بها». أكثر من ذلك، يشدّد على أنه «حتى لو حدث ما هو أسوأ، فستبقى جميع القطع النادرة في مكانها الآمن والمحمي بشكل جيد». وعن حجم المعلومات التي تناقلتها وسائل إعلامية مختلفة عن حصول سرقات كبيرة لمحتويات المتاحف، يشير إلى أنه «منذ بداية الأحداث حتى الآن، أستطيع تأكيد حصول حادثتي سرقة فقط لا غير: الأولى لتمثال ذهبي صغير من متحف آفاميا، والثانية لحجر أثري من متحف مدينة حماة، وكلا القطعتين لا تصنفان نادرتين».
أما المحور الثاني لأزمة الآثار، فيتعلق بكيفية حماية غالبية المتاحف السورية التي أغلقت أبوابها بشكل شبه كامل في وجه زوارها ومرتاديها. فهذا الأمر «يتطلب منا تأمين عناصر إضافية للحماية، الأمر الذي يزيد من معاناة المديرية بسبب وجود أكثر من 10 آلاف موقع أثري ومتحف ومناطق تنقيب موزعة على عموم المحافظات والمدن السورية كافة». وهنا، ترتدي حماية تلك المناطق «أهمية كبرى بسبب أعمال التنقيب والسرقة التي زادت وتيرتها، خصوصاً في المناطق الحدودية حيث يسهل عمل مهرّبي الآثار».
ففي مثل هذه الحرب «ينشط التنقيب السري، وهو ما شهدناه في سوريا من قبل بداية الأزمة، وقد ازداد مع الأحداث الحالية والفلتان الأمني، حيث بات بإمكان هؤلاء التحرك بسهولة».
وكانت المديرية قد سجلت حصول عدد من التجاوزات، منها دخول عناصر غريبة إلى أماكن التنقيب، وهو الأمر الذي «يؤكد حدوث عمليات تهريب للآثار عبر المناطق الحدودية، حيث سجلنا حالات عدة من ملاحقة عصابات تهريب الآثار، كما ألقينا القبض على بعض عناصرها، بالتعاون مع المجتمع المدني، تماماً كما حصل في جبل الزاوية التابع لمحافظة إدلب».
يبقى المحور الأخطر. وهو المحور الذي يصيب الآثار بقساوة. وتكمن هذه الخطورة في الدمار الذي تسببه المواجهات المسلحة بين قوى المعارضة المسلحة والجيش والأمن السوريين. وفي هذا الإطار، يشير عبد الكريم إلى أنه «في بعض المناطق، أصابت القذائف والرصاص المواقع الأثرية، نذكر منها درعا ودمشق، وتضرر المباني الأثرية في القرى الميتة في إدلب وفي جبل الزاوية المدرجة حديثاً على لائحة التراث العالمي، وفي مدينة حلب التي أصاب الضرر فيها عدداً كبيراً من المباني الأثرية أهمها القلعة والأسواق القديمة التي حرق المسلحون فيها حوالى 150 محلاً تجارياً فيها خلال المواجهات الأخيرة». ثمة ما هو أكثر من ذلك بكثير، فقد أحدثت تفجيرات ساحة سعد الله الجابري «أضراراً مادية كبيرة في مبنى المتحف الوطني في حلب، كما تضرر الجامع الكبير الأموي، ولكن لم تحصر الأضرار فيه بدقة بسبب صعوبة الوصول إليه». مع ذلك، يصرّ عبد الكريم على أن هناك «تهويلاً وتضخيماً إعلامياً تنتهجه بعض الوسائل الإعلامية التي تعمل على ترويج أخبار عن تدمير قلاع أثرية بشكل كامل جراء عمليات القصف المتبادل»، علماً بأنه حتى الآن «لم يتمكن أحد من المتخصصين في الآثار من تقييم الأضرار بطريقة علمية، ولذا، فالأرقام والمعلومات التي لدينا تبقى في غالبيتها تقريبية ووجهة نظر». ووعد «بالعمل سريعاً على إصلاح وترميم جميع الأضرار الحاصلة، وإن كانت أسواق حلب القديمة هي المتضرر الأكبر حتى اللحظة، ربما من الصعب أو المستحيل تعويضها أو ترميمها».
ورغبة منها في تنبيه المجتمع السوري بكافة أطيافه الى ضرورة المحافظة على الآثار والتراث، وتشجيعه على المشاركة في حمايتها، أنجزت مديرية الآثار والمتاحف خطة إعلامية متكاملة، كانت «الحملة الوطنية لحماية آثار سوريا» أول إنجازاتها. يقول عبد الكريم إن الحملة أخذت في الحسبان «الدروس التي استخلصناها من الغزو الأميركي للعراق الشقيق والنهب المنظم وسرقة المتاحف كلها». فرغم أن «أكثر المناطق السورية التي تعرضت للعنف والخراب حتى الآن هي مدينة حمص، لم نفقد قطعة أثرية واحدة من متحفها». أما الطموح من وراء إطلاق هذه الحملة الضخمة فهو «العمل على توعية المجتمع المدني للحفاظ على آثار بلاده وإشراكه أيضاً في مسألة الحفاظ عليها»، على أن هذه الحملة «ستستثمر جميع الإمكانيات المتاحة من وسائل إعلامية مختلفة ورسائل قصيرة على الهواتف المحمولة وإعلانات طرقية وغيرها من الوسائل، لتحقيق أهدافها في المحافظة على التراث والآثار السورية التي تمثّل الهوية الحضارية والإنسانية لجميع أبناء سوريا في الماضي والحاضر والمستقبل».
يختم عبد الكريم حديثه عن الآثار بالتفاؤل الحذر «في مواجهة عدد من الشائعات التي راجت وأفادت بأن معالم أثرية سورية عريقة أزيلت عن بكرة أبيها، من دون أن تقرن أي من المعلومات بتحقيقات ميدانية توثق الخراب الحاصل بدقة». هذا الحذر ينبع من خلاصة أكيدة أن «لا إحصاء دقيقاً لقيمة الخسائر، فالجميع يعجز حتى الآن عن هذا العمل، بانتظار ساعة هدنة أو توقف نهائي للحرب الطاحنة الدائرة». وهي خلاصة تقلل من شأن المصاب، وتحاول غالباً إيصال رسائل تطمينية إلى الرأي العام ضمن السياسة العامة التي تحاول الحكومة السورية اتباعها... إلى الآن.




«متحف الشام»

يظنّ زوار المتحف الوطني في دمشق أن المكان الأكثر شهرة في عاصمة الأمويين ما زالت بواباته مشرعة كعادتها. لكن الزياره تنحصر بالحديقة الكبيرة للمتحف والمقهى الصيفي... وهذا الأمر يتقاطع مع تصريح المدير العام للآثار والمتاحف الدكتور مأمون عبد الكريم لـ«الأخبار»، ومع تصريحات مجموعة كبيرة من الناشطين، عن «إفراغ المتاحف الكبرى في سوريا من محتوياتها القيّمة، خصوصاً متحف دمشق الوطني، ووضع كامل المحتويات في أماكن آمنة بعيداً عن خطر الاشتباكات المسلحة». مع ذلك، ورغم خلو القاعات من محتوياتها النادرة، لا تزال حديقة المتحف تضم كامل محتوياتها من التماثيل والقطع الأثرية.