منذ اندلاع الأحداث السورية، تسابقت وسائل الإعلام في العالم كله للحصول على صورة أو مشهد خاص يبين مدى العنف والدموية التي تخلّفها المعارك والاشتباكات الدائرة بين الجيش السوري ومعارضيه. لم تكترث مجمل هذه الوسائل لحجم الدمار ـ الهائل فعلياً ـ الذي أصاب عدداً من المواقع الأثرية والتراثية السورية، لكونها خارجة عن نطاق السياسة، ولا تخدم تالياً المصالح أو الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. والدليل على ذلك العدد القليل جداً من التقارير الإخبارية أو المشاهد الخجولة التي تناولت الدمار الذي لحق بمباني حلب التاريخية، مثل الجامع الأموي والأسواق الأثرية وكنيسة السريان ومسجدي المهمندار والإسماعيلية وقصر دار زمريا القديم.

مع كل هذه التوجهات نحو السياسة، فإن المشهد السوري الأثري شجع عدداً من متصفحي الشبكة العنكبوتية على إنشاء صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، للتحذير من خطورة فقدان هذه المعالم الأثرية، وصعوبة ترميمها أو صيانتها من جهة، والعمل على توعية الجميع لضرورة حمايتها، وخصوصاً من التنقيب غير المشروع الذي تقوم به عصابات تهريب الآثار. أكثر هذه الصفحات انتشاراً اليوم صفحة «الآثار السورية في خطر»، التي وصل عدد المشتركين فيها الى نحو 5000 مشترك، اختار القائمون عليها شعاراً ذكياً رغبة منهم في توحيد السوريين من أجل حماية آثارهم. فهؤلاء وضعوا علم الثورة وعلم الدولة جنباً إلى جنب، كما وضعوا صورة لتمثال ذهبي نادر جداً يعود تاريخه إلى أكثر من 10 آلاف عام، سرق من متحف بغداد أثناء الحرب العراقية الأخيرة. ويبذل القيمون على هذه الصفحة، التي أنشئت في حزيران من العام الماضي بعد بداية الأزمة بثلاثة أشهر، جهداً كبيراً من أجل توثيق الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية في عموم المناطق السورية، من صور ومقاطع فيديو ووثائق وشهادات كثيرة، حيث يمكن زائر الصفحة أن يدرك حجم الدمار الذي لحق بأهم المعالم الأثرية، بعيداً عن التسييس والخطاب الموجّه.
جردة حساب سريعة على واقع الآثار تنذر بقرب الكارثة. فلنبدأ من درعا، التي دُمر فيها الجامع العمري ومن بعده الجامع العمري في بصرى الحرير، وهما مسجدان يعود تاريخ بنائهما إلى فترة الفتوحات الإسلامية الأولى، التي قادها الخليفة عمر بن الخطاب. بعد آثار درعا، نصل إلى حمص، إلى جامع خالد بن الوليد ومئذنة جامع كعب الأحبار في حي باب الدريب، وجامع النخلة وجامع مصطفى الحسيني ومسجد قاسم الأتاسي ومسجد كامل باشا وجامع القصير والسوق المسقوف القديم وحمام الباشا، كما شمل القصف قلعة الحصن الشهيرة، التي تعدّ من أهم معالم محافظة حمص الأثرية، إضافةً إلى قصف دير مار الياس في مدينة القصير، وقصف وتخريب كاتدرائية السيدة العذراء «كنيسة أم الزنار» في قلب المدينة التي يعود تاريخ بنائها الأول إلى الفترة البيزنطية المبكرة. أما في مدينة حماه، فقد سرق من متحف حماه الوطني، تمثال أثري مطلي بالذهب يعود إلى الفترة الآرامية ـ الألف الميلادي الأول قبل الميلاد ـ وبالانتقال إلى الشمال السوري، قصفت المئذنة التاريخية لجامع التكية في مدينة أريحا التابعة لمحافظة إدلب، كما قُصفت مئذنة الجامع القديم في سرمين، كذلك ألحقت المواجهات المسلحة أضراراً كبيرة جداً بعدد كبير من الآثار الثابتة نتيجة تبادل القذائف بمختلف العيارات، وخصوصاً قلعة المضيق المطلة على موقع أفاميا الأثري، التي تعدّ أقدم القلاع المسكونة في سورية.
كذلك سجلت عمليات نهب وتخريب وتنقيب غير مرخص، تعرضت لها الآثار الثابتة والمنقولة في منطقة تدمر الأثرية ومدينة أفاميا، الأمر الذي نتجم عنه سرقة لوحة فسيفساء نادرة، وبعض تيجان الأعمدة والقطع الأثرية الضخمة. وكلما اشتدت وطأة الحرب الهمجية في سوريا، وازدادت الهجمات الشرسة، امّحى ما عجزت عن محوه آلاف السنين، من دون أن يسمع أحد النداءات.