تحت سفح جبل قاسيون، ترقد أقدم عاصمة في العالم على بساط من وجع. تتنفس زحمة خانقة ودخان سيارات يمتزج بسحب متصاعدة من دوي الانفجارات، ورائحة الدم التي تطغى عليها آثار البارود. وسط المشهد الدراماتيكي الذي تعيشه دمشق، لا تزال الحياة تنبض بالصخب في معظم أحيائها، وخصوصاً تلك الطريق الواصلة بين ساحة الأمويين وجسر فكتوريا. هناك، لا يزال المتحف الوطني يرقد بكامل بهائه، بينما ينبعث عبق التاريخ من جنباته، ليحاكي التكية السليمانية، ويطمئن إلى سوق الفضة بمحاذاة سوق المهن اليدوية. وهو الذي يلوذ بصمت طويل، مكتفياً بما تبقى في حدائقه من تحف ووجوه بشر جمعتهم معه الألفة واعتادوه منذ زمن بعيد على نحو شبه دوري.

على باب المدخل الرئيسي للمتحف، نصادف سيدة ثلاثينية تختبئ وراء نظارتها السوداء. يسبقها طفلها وهو يحمل قبعته بيده ويتجه راكضاً نحو الفسحة الكبيرة للمتحف، كأنه على موعد مع سرب البط الذي لا يزال على حاله منذ سنين. نبادر بالحديث مع السيدة، فتكشف عن عينين تملؤهما الدموع قبل أن تغوص في ذاكرتها لتحكي عن صور المكان العالقة في ذهنها. وتقول «اعتدت أن أرتاد المتحف والتكية، منذ أن كنت في سنتي الجامعية الأولى، لأنه المكان الذي ترمي فيه عن كاهلك صخب المدينة وتلوثها وتترك فرصة لروحك كي تسرح مع المعالم التاريخية والشواهد على الحضارات المتتالية». تستطرد الطبيبة السورية مضيفة «اليوم ما زلت أتمكن من ارتياد المكان ذاته الذي أحب، لكن من دون أن يفارقني الخوف على مستقبله وسط موجة العنف التي لا تهدأ، إضافة إلى الحسرة على قاعات المتحف التي أفرغتها الحكومة خوفاً من انفجار الأوضاع في دمشق». نسألها إن كانت تعرف عن هذا الأمر أكثر، فتجيب بالنفي وتغادر، ليقودنا حديثها نحو الكافتيريا الصيفية التي ترتادها على نحو شبه يومي نخبة من المثقفين السوريين، أو من بقي منهم في دمشق، إضافةً إلى مجموعة من الناشطين السوريين المهتمين اهتماماً مباشراً بالآثار. على إحدى الطاولات، ينهمك بعض الناشطين في حديث حول ما يحصل في حلب، ساحة المعركة الدامية حالياً. هنا، يروي أحد الناشطين ـ مفضلاً عدم ذكر اسمه ـ أنه سبق لبعضهم أن ألّفوا وفداً منذ فترة وتوجهوا الى مكتب بسام جاموس، المدير العام للآثار والمتاحف سابقاً، وقد كان على رأس عمله، والزيارة كانت للنقاش من أجل التحرك لإيقاف الدمار الحاصل للآثار والمعالم التاريخية والناتج عن استخدام الأسلحة الثقيلة. حينها، كانت النتيجة أن طردهم «بطريقة تليق بمن وقف على مشارف الخيانة العظمى لبلده»! فيما يشير الناشط ذاته إلى أن قرار الحكومة بتعيين مأمون عبد الكريم خلفاً لجاموس كان صائباً للغاية، وخصوصاً أنه متخصص في الآثار ولديه خبرة واسعة في مجال عمله، فيما تؤكد ناشطة أخرى أنه «بالفعل أُفرغت كافة قاعات المتاحف الرئيسية في المحافظات السورية من محتوياتها، ونقلت إلى أماكن مجهولة، ومن المفترض أن الشخص الوحيد الذي يعرف مكانها هو أمين كل متحف، وهو موظف من الدرجة الثانية غالباً لا يعرف القيمة التاريخية الحقيقية لمحتويات متحفه». هنا يتدخل ناشط ثالث ليعبر عن خوفه «من أن يفصح أمين المتحف عن المخابئ لمجرد الضغط عليه من أي مسؤول رفيع المستوى». عند هذا الخوف، يعمّ جو من اليأس على الجلسة، التي يؤكد أفرادها أن غالبية القطع الأثرية التي جمعت من المتاحف لم تؤرشف إلكترونياً على نحو أصلي، فيما تضيف ناشطة أخرى بالقول إن «كل ما يمكن العمل عليه حالياً هو توثيق الدمار وانتظار الفرج، فإلى الآن التوثيق يجري من خلال ما يورد من مقاطع فيديو، وما ينقله بعض شهود العيان لصعوبة الوصول إلى المناطق الساخنة». وهنا يحكي أحد الناشطين بقهر شديد عن مقطع الفيديو الذي جرى تداوله عن الصِبية الذين ظهروا وهم يلعبون برأس تمثال للملكة زنوبيا في تدمر، ويؤكد أن التنقيب غير المشروع وسرقة الآثار وتهريبها هما التجارة المزدهرة حالياً في سوريا، وخاصة في المناطق الحدودية.
مع ذلك، يبدو المتحف الوطني في دمشق الفسحة الأخيرة في عاصمة الأمويين لتبادل الهموم اليومية ونشاطات المهتمين وأحاديثهم حول الخطر المحدق بتاريخ عمره سبعة آلاف عام وأكثر.