سيصبح المنزل القرميدي في موقع جبيل الأثري «معلماً»، وهو الذي تعرض صورته في كل الإعلانات السياحية. ومع الوقت الذي يقدر ببضع سنوات مقبلة، سيتحول هذا البيت متحفاً لعلوم الإنسان. لكن، قبل أن يصبح البيت كل هذا، كان بيتاً يسكنه آل الحسامي. وهم الذين يطالبون اليوم بحقهم المعنوي به. فهذا البيت، «بحسب أرشيف العائلة، قد تناقله آل الحسامي أباً عن جد حتى اشتراه الفرنسيون بعد الحرب العالمية الأولى»، يقول المحامي نبيل الحسامي.

وبحسب أرشيف العائلة أيضاً، فقد شيّد محمد عثمان الحسامي المنزل في أواسط القرن الثامن عشر وهو مؤلّف من طبقتين: الطبقة الأرضية التي أعدها الرجل لتربية دود القزّ وصناعة الحرير، والطبقة الأولى التي كانت مسكن العائلة. وكان للبيت، وخصوصاً من جهة البحر، «عودة»، أي بستان ملحق بالبيت تزيد مساحته على عشرة آلاف متر مربّع، كانت تزرع فيها أشجار التوت.

ويشرح الحسامي أنه «في شباط 1905، اشترى جده عثمان محمد الحسامي البيت من والده ولا تزال العائلة تحتفظ بالوثيقة المصدقة من محكمة بداية جونية». كما كانت «عائلة الحسامي تمتلك مجمل الأراضي الواقعة خلف القلعة التاريخية». لكن، مع نهاية الحرب العالمية الأولى، «قرر خضر الحسامي بناء منزل له، وخلال التنقيبات عثر العمّال على بلاطة كبيرة تحمل كتابات قديمة، فأخذها الرجل ووضعها في واجهة منزله، رغم تحذيرات أقربائه من أن تصادر السلطات الفرنسية البيت والأرض لأنها تختزن آثاراً، إلا أن خضر لم يستمع للنصيحة».
بعد فترة من الزمن، كان المفوض السامي الفرنسي والمسؤول عن الحفريات في جبيل يتجولان في المنطقة، فوقعت أعينهما على البلاطة وصدر الأمر باستملاك كل المنطقة الواقعة خلف قلعة جبيل. وحضرت لجنة استملاك محلية معينة بأمر من المفوض السامي، وعمدت الى تعداد المنازل وأخذ «الكيول» وتخمين أثمانها، وبلغ مجموع ذلك حوالى 600 ليرة ذهب. لم يعجب هذا التخمين المقيم الفرنسي، فطلب تعيين لجنة مشتركة لبنانية فرنسية، وقد خمّنت البيوت مع الأراضي بـ 400 ليرة ذهبية. وللمرة الثانية، اعترضت السلطات الفرنسية، وكلفت لجنة جديدة فرنسية قامت بالمسح والتخمين ووضعت تقريراً حدد القيمة بـ 200 ليرة ذهبية.
على أساس التخمين الأخير، استملك الفرنسيون الأراضي في جبيل لتتحول لاحقاً إلى موقع أثري. وقد لاقى هذا الاستملاك اعتراضاً من بعض المالكين، فرفعوا دعاوى ضد السلطات الفرنسية، إلا أنها لم توقف تنفيذ القرار. وأكثر من ذلك، عمدت سلطات الانتداب الى إخلاء منازل المعترضين، مستعينة بجنود سنغاليين، وهدمت جميع المنازل القرميدية القديمة من جبيل، باستثناء بيت عثمان.
آل عثمان الحسامي لم يوافقوا على التخمين يومها، وهم اليوم يطالبون بغير المال. بأن تبقى «ذكراهم» داخل جدرانه، فيبقى على اسمه «منزل آل الحسامي»، وإن تحوّل متحفاً.