ينطلق هذا العام كما العام الفائت والأعوام التي سبقته بالتعبير عن الأمل. أمل بالسلام وبالصحة والعافية والنجاح وأمل بـ«عودة» الدولة. ولا تحتاج «عودة» الدولة إلى تغيير عقارب الساعة، فدولة الأمس لا تصلح للحاضر والمستقبل. ولم يكن في لبنان أصلاً، منذ «الاستقلال»، دولة يُعتدّ بها. فأحلام الماضي ضحايا ذاكرة يحدّدها اللبنانيون كما يحلو لهم وبحسب انتماءاتهم السياسية وعصبيّاتهم العائلية أو الطائفية أو المذهبية أو المناطقية، أو بحسب مصالحهم الفردية الضيقة.

لا تتطلّب عودة الدولة انتخاب رئيس أو تعيين وزير أو تنصيب مدير، فلا قيمة للرؤساء والوزراء والمديرين من دون مؤسسات الجمهورية. وتختلف تلك المؤسسات عن شركات القطاع الخاص بالتوصيف الوظيفي. فوظيفة مؤسسات الجمهورية خدمة المواطنين، وهي في الوقت نفسه منبثقة عن «الجمهور» وخاضعة لرقابته عبر الآليات الديموقراطية. أما الشركات التجارية فهدفها الحصري جمع الثروات لمصلحة مالكيها والمستثمرين فيها.
عودة الدولة لا تعني استعراض قوة الجيش الحربية أو قوة الشرطة الأمنية أو تفعيل القوّة الاستخبارية للأجهزة الرسمية. ولا تعني التباهي بإعادة بناء المطار وإصلاح المرفأ وتشييد المدينة الرياضية وتفخيم قصري بعبدا وعين التينة والسرايا الحكومية ودواوين مديري وسلاطنة المؤسسات الحكومية. عودة الدولة ليست عبر انتشار الجيش اللبناني في الجنوب وتمركز قوى الأمن الداخلي على النقاط الحدودية الشمالية.
بل إن عودة الدولة تعني ترسيخ ثقافة المسؤولية الجماعية بين الناس.
عودة الدولة تعني نضوج المجتمع واقتناع جميع فئاته بوحدة المصير والمصالح المشتركة.
عودة الدولة تعني تغلّب الانتماء الوطني المبنيّ على مبادئ العدالة والكرامة الإنسانية على كلّ الاعتبارات الأخرى.
عودة الدولة تستدعي إذاً مشاركة الجمهور في كلّ خطوة من خطوات بناء الجمهورية. ويتطلّب ذلك إرادة جماعية راسخة مبنية على أمل حقيقي... لا يقتصر على التعبير عن أمل عابر بالسلام وبالصحة والعافية والنجاح وبـ.... «عودة» الدولة.