الصور المرافقة لهذا النص، هي لثلاثة شوارع في منطقة صربا في جونيه. الأولى في شارع مار يوحنا، الثانية في شارع البلاطة والثالثة في شارع عين بزيل. المسافة بين هذه الشوارع أمتار معدودة، لكنها كافية لتكشف إحدى أبرز مشاكل القانون الانتخابي البلدي: مكان الاقتراع.

نستنتج ذلك إذا عرفنا أن الشارع الجميل والمنظّم هو الشارع الذي يقيم فيه أهالي جونيه «الأصليون». أما الشارعان المحاذيان فيقيم فيهما «الغُرْبيه»، فيكون من البديهي أن تلجأ البلدية إلى تقديم «خدماتها» لمن ينتخبها.
أنطوانيت غطاس (راجع المقال أدناه) انطلقت من هذا الواقع، الذي يمكن تعميمه على كل المناطق التي يقيم فيها سكان غير مسجّلين فيها، لتشرح اختلاف دور السكان في السياسات المحلية، باختلاف صفتهم: ناخبين أو مقيمين.
وإذا كان المثل أعلاه يضيء على مشكلة الناخب والمقيم، فإن الشق الأول من السؤال لا يقلّ أهمية، وهو دور السكان في السياسات المحلية.
غطاس التي أجرت مقارنة بين جونيه وذوق مكايل، قدّمت مثلاً عن أهمية إشراك السكان في قرارات البلدية: الاعتراض الواسع الذي شهده مشروع الترصيف على الرغم من أهميته ومنفعته. «لو أن البلدية شرحت للسكان ما ستفعله لكانت وفّرت على نفسها ضجة كبيرة».
تشهد الكثير من المناطق اللبنانية ورش تأهيل في الطرقات، إلا أن الكثير من اللبنانيين، المقيمين في الأحياء التي تشهد هذه الأعمال، لا يعرفون أهدافها على الرغم من أن بعضها مستمرّ منذ أكثر من عام. يمرّون بها صباحاً، يسألون أنفسهم ويقدّمون لها إجابات بناءً على استنتاجاتهم الخاصة. أحياناً قد يسأل الجار جاره: «ماذا يجري هنا؟ هل يزفّتون؟»، وأحياناً أخرى قد يُسأل «المعنيون» العاملون في الورش.
قليلاً ما يلجأ سكان حيّ ما إلى سؤال المعني الأول: البلدية. ونادراً ما تبادر الأخيرة إلى إبلاغ سكان المحلّة عن الأعمال التي تنفّذها. يفاجأ سكان الحيّ ببدء الأعمال في شارعهم، مثلهم مثل أي غريب قد يمرّ بالمكان. هذا الواقع، الذي يمكن تعميمه لولا حالات نادرة، يجعل الحديث عن مشاركة السكان في السياسات العامة نوعاً من الترف.
ترف أن يسير العمل وفق السيناريو الآتي: المقيم، الذي لا يعرف شيئاً عن الأعمال التي تجرى تحت بيته، كان يفترَض أن يشارك أصلاً في نقاش المشروع وأن يعطي رأيه به، ويوضح مدى حاجته إليه أو عدمه. والبلدية، التي تنفّذ مشاريع تعدّها حيوية وضرورية لإنماء المنطقة، كان يجب أن تقنع السكان بها، لكي لا يعترضوا عليها على الرغم من حاجتهم إليها.

ما بعد 100 عام

العمل وفق هذا السيناريو يعدّ جزءاً أساسياً من التخطيط للسياسات العامة، خصوصاً المحلية منها. هذا ما يؤكده المهندس ومخطط المدن، جوزف سلمون، مسؤول التنظيم المدني في تجمّع بلديات «سيرجي بونتواز» في باريس. من موقعه هذا، يرسم سلمون السياسة العامة لاثنتي عشرة بلدية، يقترح مع فريق عمله القوانين المتعلقة بالتنظيم المدني بناءً على نظرة متكاملة إلى حاجات المدينة.
هذه الحاجات يتعرّف إليها عبر طريقتين، لقاءات مع الأهالي، ومرصد يحاول من خلاله متابعة حركة الناس في المدينة: كيف يستعملونها؟ ما هي الأماكن التي يرتادونها فيها ولماذا؟ بهدف معرفة ما يجب تحسينه.
يطرح السؤال الساخر نفسه: وما الذي يجب تحسينه في باريس؟
يبتسم سلمون: الغابات المحيطة بالمدينة مهدّدة بالزوال بعد 100 عام. نعدّ خطة عامة للمحافظة عليها: نحصي الأشجار، نحدّد أنواعها، نقصّ منها ما يجب قصّه لدواع أمنية، نقوم بحملات تشجير، ونرسم خططاً للاستفادة من الأخشاب، تحديد طرق ارتياد الناس لها، إلخ.
يخططون في البلديات إلى ما بعد 100 عام إذاً! معلومة مهمّة، إلا أن الأهم بعض التفاصيل المحيطة بالمشروع. ذلك أنه عندما تسلّم سلمون مهماته كانت البلدية تقصّ بعض الأشجار، ما أثار نقمة الأهالي والجمعيّات: هم لم يكونوا على اطّلاع مسبق على الأمر، إضافة إلى أنهم تعرّضوا لسلبياته: فالعصافير أنجبت ولا أشجار تحضنها، وهي تترك أوساخاً، إلخ. لجأ سلمون إلى تنظيم لقاءات مع الأهالي، استمع إلى آرائهم وقدّم وجهة النظر العلمية. وهو مستمرّ في عقد هذه اللقاءات مع المواطنين مرة كل شهر.
من المشاريع أيضاً، خطة لتعزيز العمل في الزراعة، أساسها إصدار قرار (سيتحوّل إلى قانون) يمنع بيع الأراضي الزراعية. قرار مماثل لا يمكن أن يصدر من دون التحاور مع المزارعين «سنمنعهم من بيع أراضيهم لكننا سنقدّم لهم المساعدات اللازمة: مثل السماح ببيع بضائعهم في الأماكن العامة، إقامة علاقة مباشرة بينهم وبين السكان. أعتقد أن هذا الأمر سينجح».
قبل الانتقال إلى باريس، عمل سلمون لسنوات في ليون. هناك أسّس لخبرته في أهمية اعتماد التواصل مع السكان أساساً لأي خطة أو سياسة ترغب السلطات المحلية في تطبيقها. بناءً على دراسته الجامعية، أرسلت بلدية المدينة في طلبه وأوكلت إليه مهمة إشراك السكان في التنظيم المدني، لمشروع يعيد إحياء النهر الذي يعبر في المدينة.
بدأ العمل على الأحياء الصغيرة، منظّماً عدداً من ورش العمل التي تجمع إعداد رئيس البلدية، الأعضاء، المسؤول عن التنظيم المدني، السكان، ممثلين عن مجالس الأحياء. الهدف الأساسي كان «أن نتعلم كيف نحكي معاً. فقد لاحظت أنه لا يمكننا أن نأتي فجأة ونطلب منهم البدء بالكلام. يجب أن نجد لهم إطاراً تعليمياً».
يشرح سلمون آلية إدارة ورش العمل هذه: «نختار موضوعاً، مشكلة السير في شارع معيّن مثلاً. أطلب من باحث وخبير أن يشرح كلّ منهما وجهة نظره خلال عشر دقائق نفتح بعدها النقاش مع المواطنين، رئيس البلدية والأعضاء، لنحدّد المشاكل. بعدها يمكننا أن نرسم الأهداف. طوّّرت العمل لاحقاً، وصرت أطلب من ممثلي الأحياء أن يحكوا عن تجربتهم، أو يعدّوا استمارة في الحيّ، ويعرضوا النتيجة ضمن ورشة العمل. كان الإعداد لكلّ ورشة يستغرق شهرين».
لكن من هي الشريحة التي يستقطبها هذا النوع من ورش الأعمال، خصوصاً أنها تتطلب وقتاً قد لا يتوافر لكثير من الموظفين والعمال؟ يجيب سلمون: «صحيح. لذلك لاحظت في البداية أن غالبية المشاركين كانت من كبار السن الذين تقاعدوا، وهناك أيضاً الطامحون للوصول إلى البلدية. وقد مثّلت ورش العمل هذه منبراً لهم ليتعلموا كيف يعرضون أفكارهم ويدافعون عنها. أغلبية الناس الذين كانوا يشاركون، ترشحوا ونجحوا في المجلس. كان هذا نوعاً من العمل التثقيفي».

أربع درجات للقرار

حتى المشاكل التي يمكن توقّعها في هذا النوع من العمل، جرى تجاوزها «في البداية كان كلّ مواطن يطلب خدمة تعنيه أمام بيته. كنت أستمع إليهم وهم يعرضون مشاكلهم الخاصة، نحاول التوصل إلى حلول لها، ثم نحكي بنحو أوسع. مع مرور الوقت سيعرف المواطنون أنهم مسؤولون عن التخطيط لمستقبل مدينتهم. يكفي أن أقول إن نقاشاتنا بدأت عن مكان توقف الباصات لنجد أنفسنا اليوم نحكي عن مستقبل الغابات بعد 100 عام».

هل يعني هذا أن السكان هم من يقرّر؟

«لا. القرار هو بيد البلدية، لكن المطلوب أن تعمل وفق سلّم من أربع درجات. في بعض المشاريع يمكن البلدية أن تكتفي بإعلام المواطنين قرارها بشأن ما (جسر جديد، هدم أبنية). الدرجة الثانية هي الاستشارة: ما رأيكم؟ لكنها هي التي تقرر. الدرجة الثالثة هي المناقشة: تدافع عن وجهة نظرها، ويبقى القرار لها. وأخيراً هناك المشاركة في القرار: مثلاً في ليون تناقشنا في مشروعين معيّنين للنهر، نعرضهما ونطلب من الناس أن يصوّتوا». ويرفض سلمون القول إن المواطنين غير قادرين على إقرار أمر مماثل يحتاج إلى خبراء ودراسات: «عندما نكون أمام مشروعين قابلين للحياة ويكون المواطنون واعين، يمكنهم الاختيار. طبعاً لا يمكننا أن نطلب رأيهم إذا لم يعرفوا المشروع ويطلعوا على حيثياته».
أبرز إيجابيات هذه الطريقة في العمل، بناءً على دراسة أجراها سلمون «أن مخطّط المدن لم يعد يخاف من المواطن. وهو الذي قد يخاف على صورته إذا سأل مواطناً عن أمر يفترض أنه متخصص فيه. رئيس البلدية أيضاً، لم يعد يخاف. قلنا له إن المواطن لن يأخذ مكانك في القرار. أما المواطن فهو أكثر المستفيدين لأنه يعبّر عن رأيه وعن حاجاته». ويوضح سلمون أن أكثر ما يهمّ المواطن «أن يكون معنياً بالمشروع الذي يجري إعداده، أي أن لا يكون مجرد عمل تجميلي. المشكلة الأولى عندما يقول المواطن: هذا المشروع ليس لي. مبدأ المدينة أنها لكل الناس، بعكس الضيعة».
هذه المشكلة لمسها خلال إنجازه لأطروحته عن دور السكان والسياسات العامة، إذ أجرى سلمون مقارنة بين أعمال ثلاثة مؤسسات معنية بتنظيم بيروت: سوليدير، بلدية بيروت وبيروت الكبرى. «اطلعت على خطة سوليدير عن الأماكن العامة، لماذا أنشأتها وبأي هدف؟ ثم اطلعت على سياسة البلدية، هل عندها نظرة عامة؟ وكذلك الأمر بالنسبة إلى البلديات المحيطة. الأخيرة لم تقم بشيء محدد، إلا أني وجدت خطة صادرة عن مجلس الإنماء والإعمار عام 1996. وكانت المشكلة الكبيرة أن هذه الخطط الثلاث لا تحكي الواحدة مع الأخرى. الشغل ما بيحكي مع بعضو. لا علاقة بينهم».
ـــــ مثلاً؟
ـــــ هناك صعوبة في تحديد المشاكل. مثلاً، نبدأ من الإطار الجغرافي الذي عزلت سوليدير نفسها فيه عن الشأن العام. لا أوتوبيسات تدخل إليه: المواطن العادي يدخل المدينة عادة عبر أوتوبيس أو سيراً على الأقدام. المشروعان اللذان أقرّتهما بلدية بيروت بالنسبة إلى الأماكن الخضراء لم يعرضا على السكان. كانوا يراقبون تنفيذهما عبر مكاتب خاصة في الخارج. يمكن القول إن المشكلة الرئيسية غياب خطة، بل مشاريع، والمشاريع لا تنشئ مدينة.