عود على بدء...

كأنّ شيئاً لن يتغيّر في حياة العمال العرب والأجانب في لبنان، بل في معاناتهم، ولو تبدّلت أرقام تدلّ على التواريخ، والسنوات. عام 2011 لا يبشّر بخير، وعام 2010 أُقفل على عشرات الوفيّات في حوادث عمل، أو سقوط من شرفات، ومئات عمليات السلب والضرب والصدم والتهديد بقوة السلاح...
أمس، وقعت الفيليبينية لورانا بدريوان من شرفة منزل مشغّليها في الفنار، في الطبقة الرابعة، وتوفيت على الفور. جاء في خبر نشرته الوكالة الوطنية للإعلام أنها «رمت نفسها» وأن قوى الأمن الداخلي بدأت التحقيقات لمعرفة الملابسات.
في عزّ الغليان «الطائفي» الذي طغى على الشارع اللبناني، حين كان النقاش يحتدم بين جماعة 8 آذار وجماعة 14 آذار، عمد شبان في البقاع الأوسط الى توقيف سيارات تقلّ عمالاً سوريين، اعتدوا عليهم بالضرب، وفق ما أكد شهود عيان لـ«الأخبار»، لكن هذا الخبر لم يتبلّغه مركز أمني، أو لم يُعلن في التقارير الأمنية.
يوم السبت 8 الشهر الجاري، عثر على جثة باكستاني في بلدة عمشيت، وتحديداً على الطريق البحريّة للبلدة، قرب خزانات النفط فيها. وعثر صباح الثلاثاء على العامل السوري حسن عمر صبرين (32 عاماً) من التابعية السورية، جثة داخل غرفته في ورشة بناء تعود لـ ج.م. م، حيث يعمل الراحل في بلدة البريج ـــ جبيل.
مأساة العمال المصريين المختفين منذ 24 كانون الأول الماضي، والعمال السودانيين الذين خطفوا، أليست بذاتها دليلاً بارزاً على حال الإهمال الذي يحيط بظروف عمل العمال في لبنان ومعيشتهم؟ عدد المختفين لم يُحدد حتى اليوم، هل هم ثلاثة أم خمسة أم أكثر؟ ولماذا لم يضأ على خبر اختفائهم ـــ أو اختطافهم ـــ إلا بعد مرور نحو أسبوعين على الحادث؟
نظرة إلى ما تحمله البلاغات والتقارير الأمنية، تلفت إلى أن بداية العام تشهد عدداً كبيراً من الحوادث. على أي حال، لم يقفل العام الماضي مودعاً إلا بمأساة طاولت عاملين باكستانيين، حيث سُجّل حادث مأسوي في قرنة شهوان، الساعة 11،00 ليل الجمعة 31 كانون الأول الماضي. فقد صدمت سيارة «رانج روفر» دراجة نارية، على متنها عاملان من مدغشقر، ونتج من الحادث احتراق الدراجة ووفاة أحد العاملَين على الفور، فيما نُقل العامل الثاني إلى المستشفى، لكنه ما لبث أن فارق الحياة بعد فترة قصيرة. الراحلان هما: رودولف بلايدان (52 عاماً) وجاندي ديديو (52 عاماً). وبنتيجة المتابعة والتحقيقات تبيّن أن سائق السيارة الصادمة يدعى ماريو م. (27 عاماً).
مطلع العام، عُثر على جثة العاملة الإثيوبية آنشا محمد (25 عاماً) داخل مكتب لتشغيل عمال المنازل في النبطية. وجاء في بلاغ أمني أن طبيباً شرعياً كشف على الراحلة وخلص إلى أنها أقدمت على الانتحار بخنق نفسها بشريط كهربائي يعود للهاتف.
حوادث العمل تستمر في حصد أرواح العمال، فقد سُجلت وفاة عامل في مرفأ طرابلس، هو السوري محمد سلطان (28 عاماً) الذي تعرض لصعقة كهربائية خلال العمل، ما أدى إلى وفاته، وذلك يوم الجمعة الماضي.
في منطقة الضم والفرز، سقط العامل السوري مصطفى المطر (16 عاماً) من مبنى قيد الإنشاء يوم الأربعاء الماضي، ما أدى إلى مقتله. خبر وفاته ورد في سطرين من بلاغ أمنيّ، ولم يُصر إلى التوسع في التحقيق، ولم يُسأل صاحب الورشة كيف استعان بعامل لم يبلغ سن الرشد بعد، إضافة إلى السؤال المحوري، الذي يتعدّى حالة مصطفى ليطال كل العمال، والمتعلق بغياب وسائل الحماية من مخاطر العمل، وخصوصاً أن الأعمال التي يُستخدم فيها العمال العرب ـــ من سوريين ومصريين وسودانيين ـــ هي مهن شاقة وخطرة في آن واحد.
عاملات منازل أيضاً لقين حتفهن، سقطت الفيليبينية ماري في غارسيا من شرفة منزل مشغّلها في الطبقة السابعة من مبنى في قريطم، ما أدى إلى وفاتها الأربعاء الماضي. وكان قد عُثر يوم الثلاثاء 4 الشهر الجاري على جثة الفيليبينية جيني أنتونينو (30 عاماً) في منزل مشغّلها في غبالة (قضاء جونية)، ولم تعرف أسباب الوفاة وإن كان ثمة آثار للعنف على الجثة.
سألت «الأخبار» النائب عاطف مجدلاني، رئيس لجنة الصحة والعمل والشؤون الاجتماعية النيابية، عن قضايا العمال العرب والأجانب وما يتعرضون له، وهل تعمل اللجنة النيابية المختصة على إعداد اقتراح أو مشروع قانون لحماية هؤلاء العمال مما يتعرضون له حالياً؟ فأجاب بأن قانون العمل الحالي كافٍ وهو يُعالج كل المشاكل، ولا حاجة إلى تعديله.




تعديل قانون العمل حاجة ماسّة

وُضع قانون العمل في لبنان في 23/9/1946، وخضعت بعض مواده لتعديلات، كان آخرها قبل عقد. متحدثون من جمعيات مهتمة بحقوق الإنسان يلفتون إلى أن مواد القانون لا تسمح بتغطية كل المشاكل الحديثة للعمال العرب، ويتوقفون عند ضرورة تشديد العقوبات على أرباب العمل الذين يتغاضون عن تأمين سبل الحماية من حوادث العمل، كذلك يدعو المهتمون إلى تفعيل التحقيقات والمحاكمات ضد المعتدين على العمال.
إلا أن المهتمين بحقوق الإنسان والمتابعين لشؤون العمال لا يملّون من تكرار مطلب تشديد العقوبات على المعتدين على العمال غير اللبنانيين، لافتين إلى تزايد نسبة الاعتداءات ذات الطابع العنصري، ومركّزين على ضرورة تشديد العقوبات على أرباب العمل الذين لا يقومون بواجب التصريح عن العمال.

لقطة

الآمال معلّقة على الحكومة الجديدة بوضع حد لحالة التهاون في التعاطي مع المعتدين على العمال العرب والأجانب، ورغم صدور أحكام قضائية تنصف العمال في وجه ممارسات بعض المشغلين، إلا أن غالبية العمال والعاملات لا يثقون بأن الأنظمة والمؤسسات اللبنانية ستنصفهم. وبحسب ناشطين، فإن القضيتين اللتين يجدر أن تلقيا اهتماماً مركزاً هما: أولاً قضية الإسراع في إعلان وفاة عاملات أجنبيات «انتحاراً»، إذ يجدر أن يتخذ التحقيق مجراه لمعرفة القاتل أو الدافع وراء الانتحار إن صح، أما القضية الثانية فتتعلق بمحاسبة أرباب العمل عند وفاة أي عامل في حادث عمل وذلك لغياب وسائل السلامة، وإجبار المشغّلين وشركات التأمين على أن تدفع تعويضات لذوي الضحايا من دون التلاعب أو دفع فدية منخفضة جداً، كما يحدث حالياً.