لم يكن القدر، الذي يبتسم في هذه الأيام لشعبي تونس ومصر، مبتسماً لـ«الهيئة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي» التي افتتحت، أول من أمس، منتدىً عن المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لاهاي. لم ينل المنتدى اهتماماً إعلامياً بارزاً، كما كان يتوقع منظّموه، نظراً لتوجّه الأنظار إلى ما يحصل في مصر، وبالتالي تراجعت قضية المحكمة إعلامياً. لكن لم يكن الاهتمام الإعلامي هو العقبة الوحيدة التي واجهت المحكمة والمنتدى، والهيئة المنظمة له برئاسة المحامي عبد الحميد الأحدب، ففي جلسته الافتتاحية، قرأ الأخير على الحاضرين رسالة اعتذار أحد المدعوين عن الحضور، وهو القاضي في محكمة العدل الدولية، الأردني عوني الخصاونة


، حيث رأى أن «هناك إطاراً واسعاً لكنه محصور لما يحق لمجلس الأمن الدولي أن يضعه تحت الفصل السابع (حال المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الحريري)، مع التحفظ على ضم المحكمة إلى هذا الإطار، إضافة إلى شكوك بالمحاكم المختلطة». ولم يكن هذا الاعتذار الوحيد عن حضور المنتدى، الذي قيل إنه مدعوم من رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، فقد تلقّى الأحدب اعتذارات من عدد كبير من الشخصيات المدّعوة، وهؤلاء من عشرة بلدان عربية، قال إنهم أرسلوا إليه اعتذارات متذرّعاً بأن «أجهزة الاستخبارات في بلدانهم طلبت منهم عدم المشاركة». وفي إطار الاعتذارات والمفاجآت، علمت «الأخبار» أمس أن أحد قضاة المحكمة الدولية الهولندي بيرت سوارت قدّم استقالته «لأسباب صحّية». وبعث الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أمس رسالة الى مجلس الأمن الدولي يعلمه فيها أنه سيؤلّف لجنة قضائية لاختيار بديل من سوارت. ولم تتمكّن «الأخبار» من التدقيق في أسباب استقالة القاضي الهولندي، وهو ثاني قضاة المحكمة الذي يستقيل قبل انطلاق المحاكمات. يذكر أن عدداً كبيراً من الموظفين، بينهم رئيسا قلم ومتحدثون باسم المحكمة ومكتب المدعي العام فيها، كانوا قد قدموا استقالاتهم خلال العام الأول بعد إعلان انطلاق عمل المحكمة رسمياً في آذار 2009.
لكن يستمر مسلسل التلويح بالمحكمة الدولية. فوسط احتدام الخلافات اللبنانية بشأن المحكمة، لوّح رئيس مكتب الدفاع في المحكمة فرانسوا رو في تصريح صحافي، أمس، على هامش المنتدى المذكور آنفاً، بأن القرار الأتهامي سيبصر النور «بعد أسابيع قليلة». بدورها، لفتت رئيسة قسم التواصل الخارجي في المحكمة، أولغا كافران, إلى «دعم عربي» للمحكمة التي يُتوقّع أن تتهم أشخاصاً من حزب الله باغتيال الحريري، ورأت أن المنتدى المعقود في لاهاي «فرصة استثنائية لرؤية هذا العدد الكبير من الخبراء والقانونيين في العالم العربي». يُذكر أن عضو المجلس الدستوري السابق، المحامي سليم جريصاتي، كان أحد المدعوين إلى المنتدى، لكنه لم يتكبد عناء السفر إلى لاهاي للحضور. عدد كبير من المدعوين اللبنانيين، من مختلف الأطياف، لم يحضروا المؤتمر أيضاً، منهم الخبيران في القانون شفيق المصري ومحمد المجذوب.
يُشار إلى أن «الأخبار» كانت قد نشرت بتاريخ 12/1/2011 مقالاً بعنوان «الرد على نصر الله من لاهاي»، وقد رد رئيس «الهيئة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي» عبد الحميد الأحدب على ما ورد في المقال، نافياً إسهام السنيورة «على نحو أساسي في تنظيم المؤتمر وتمويله». هكذا رد الأحدب، علماً بأن «الأخبار» لم تعلم بأمر دعم السنيورة للمنتدى إلا من إحدى الموظفات في مكتب الأحدب خلال اتصال هاتفي.



من أين يأتي التمويل؟

استغرب أحد الذين اعتذروا عن عدم الحضور إلى المنتدى «الحقوقي» في قصر السلام - لاهاي (الصورة)، كيف تضع الهيئة المنظمة اسمه على جدول الأعمال قبل أخذ موافقته على الحضور. ولفت الضيف، وهو خبير قانوني، في حديث مع «الأخبار» إلى أن سبب اعتذاره عن عدم الحضور هو، فضلاً عن انشغاله بأمور «أكثر أهمية»، هو كون القضية «مسيّسة» وتحمل طابعاً معيناً، إضافة عن عدم سماعي في حياتي بالجهة المنظمة، التي تسمّى «الهيئة العلمية لنشر الثقافة القانونية في العالم العربي». وأضاف الخبير القانوني سائلاً: «لم نعرف من هي الجهة التي تموّل هذا المنتدى، الذي حتماً يحتاج إلى تكاليف باهظة، ولماذا يُعقد في لاهاي، لماذا ليس في لبنان بصفته البلد المعني الأول بهذه القضية؟».