يفترض أن تحدّد معادلة «لا غالب ولا مغلوب» منهجية معالجة الخلافات المتعلّقة بالشؤون العدلية أكثر مما تحدّد منهجية معالجة الخلافات السياسية. إن البحث في محاصصة المقاعد الوزارية بين قوى المعارضة السابقة ورئيس الجمهورية قد لا يعدّ تجاوزاً لمعادلة «لا غالب ولا مغلوب»، إذ إن قوى 14 آذار ترفض على ما يبدو المشاركة في حكومة يرأسها نجيب ميقاتي. لكن هذه المعادلة قد تنهار بالكامل إذا عجز الرئيس المكلف عن معالجة المشكلة التي تتعلّق بالمحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري على نحو يحفظ كرامة الرئيس سعد الحريري ومناصريه وحقوقهم.

لا شكّ في أن مهمة الرئيس ميقاتي لن تكون سهلة، لكن انطلاقه من العناصر الثلاثة الأساسية التالية قد يفتح طريق أمام الحلول:
1- استطلاع دقيق للظروف السياسية الداخلية والمعطيات الإقليمية والدولية المتعلقة بمرحلة ما بعد جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إذ إن على مجلس الوزراء البحث في الخلفية الحقيقية التي تنطلق منها بعض الدول، ومنها الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة، لدعم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مالياً وسياسياً ودبلوماسياً. وفي هذا الإطار لا بدّ من الإشارة الى أن التسليم بأن خلفية دعم هذه الدول للمحكمة ترتكز على «إيمانها بالعدالة وتعهدها إنهاء مرحلة الإفلات من العقاب» لا يخلو من السذاجة.
2- تحديد جميع الخيارات القضائية والدبلوماسية المتاحة أمام الحكومة اللبنانية على أن:
أ. تتناسب تلك الخيارات مع الدستور اللبناني نصاً وروحاً.
ب. تكون قابلة للعرض، من حيث الشكل والمضمون، على المستوى الدبلوماسي الدولي.
ج. يتوافق عليها أركان الدولة بعد عرضها على المؤسسات القضائية العليا لدراستها.
3- التأكيد، في نصّ البيان الوزاري، على التزام مجلس الوزراء القادم الثوابت الآتية:
- حقّ أي إنسان تعرّض لجريمة أو تعرّض ذووه لجريمة، بالاقتصاص قضائياً من مرتكب – أو مرتكبي – تلك الجريمة، والتشدّد في عدم قابلية المقايضة أو التفاوض أو إجراء أي نوع من المساومة في هذا الإطار.
- عمل الآلية القضائية المكلّفة مقاضاة المجرمين وفقاً لـ«أعلى المعايير في مجال العدالة الجنائية» كما جاء حرفياً في نصّ قرار مجلس الأمن الدولي 1757. وتفعيل آليات مراقبة ومساءلة تلك الآلية.
- حلّ الخلافات من داخل المؤسسات الدستورية اللبنانية عبر فتح نقاش هادئ وصريح بين الجميع انطلاقاً من مصلحة لبنان العليا ومن الثابتتين المذكورتين آنفاً.
- منع تدخّل قوى أجنبية في الشؤون اللبنانية، فالجريمة التي وقعت في 14 شباط 2005 كما الجرائم الأخرى التي تلتها تعني اللبنانيين بالدرجة الأولى.
- إصلاح القضاء في لبنان بنحو شامل وطارئ عبر استعادة الكفاءة والنزاهة والاستقلالية للعاملين فيه.
أخيراً، وبعد هذا العرض المقتضب لسبل الحفاظ على كرامات الناس وحقوقهم، لا بدّ من التعبير عن التضامن مع نقابة المحامين في الاسكندرية الأبية والقضاة الشرفاء في القاهرة المكافحة للاستبداد ولجميع المناضلين والمناضلات من أجل العدالة في مصر العربية بوجه الطاغية وعصاباته.