عقدت دائرة الاستئناف في المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أمس، الجلسة العلنية الثانية للنظر في تفسير المواد القانونية التي ستعتمدها دوائر الادعاء والدفاع والحكم. وأصدرت دائرة الاستئناف التي يترأسها القاضي الإيطالي أنطونيو كاسيزي، خلال الجلسة قراراً تمهيدياً يقع في 152 صفحة بشأن المسائل القانونية الخمس عشرة التي طرحها قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين في 21 كانون الثاني الفائت.


وقد توصلت دائرة الاستئناف إلى هذا القرار بعد الاستماع الى الملاحظات التي أدلى بها كل من المدعي العام دانيال بلمار ورئيس مكتب الدفاع فرانسوا رو في جلسة علنية عُقدت في 7 شباط. كذلك تلقّت غرفة الاستئناف مذكرتين من كليتي الحقوق في الجامعة الأميركية في واشنطن وجامعة غوتنغن في ألمانيا.
وقبل عرض مضمون قرار دائرة الاستئناف، نعرض أبرز المواقف التي عبّر عنها كاسيزي أمس. إذ رأى القاضي الإيطالي أن وظيفة المحكمة الدولية لا تقتصر على محاكمة من قاموا بالجرائم، بل تشمل ترسيخ مبدأ المساءلة في المجتمعات الديموقراطية، والتأكيد أنه لا يجوز أن تحل المشاكل من خلال سفك الدماء ولكن بالنقاش والحوار، آملاً أن تساعد جهودهم المحكمة بالسير بخطى ثابتة للوصول الى تحقيق العدالة، مشدداً على الطابع النزيه الذي تتسم به المحكمة. ولفت إلى أنهم وجدوا أن القانون اللبناني والقانون الجرمي الدولي ينصّان على اجتماع الجرائم المادي والمعنوي، وبالتالي ليس هناك تنازع بينهما. وأكد أن الطابع المختلط للمحكمة أمّن مزيجاً من الخبرات، ما يوفّر وسيلة فكرية مهمة للمساعي اللبنانية والدولية للمساءلة.

بنود قرار دائرة الاستئناف

1. تفسير النظام الأساسي: أشارت دائرة الاستئناف الى أن المحكمة الخاصة بلبنان، خلافاً لسائر المحاكم الدولية، تقتصر على تطبيق قواعد القانون اللبناني بشأن تعريف الجرائم. إلا أنها أضافت أن المحكمة ستطبق القانون اللبناني كما تفسره وتطبقه المحاكم اللبنانية «ما لم يتبين أن هذا التفسير أو التطبيق غير معقول، أو أنه يمكن أن يؤدي إلى ظلم مبين، أو أنه لا يتوافق مع المبادئ والقواعد الدولية الملزمة للبنان».
2. تعريف مفهوم الإرهاب: أكّدت دائرة الاستئناف أن المحكمة ستطبق القانون اللبناني في ما يتعلّق بجريمة الإرهاب القائمة على الأركان الآتية:
(أ) فعل مرتكب عن قصد لنشر الذعر، سواء أكان يشكّل جريمة بحسب الأحكام الأخرى من قانون العقوبات أم لا،
(ب) استعمال وسائل «من شأنها أن تحدث خطراً عاماً كالأدوات المتفجرة والمواد الملتهبة والمنتجات السامة أو المحرقة والعوامل الوبائية أو الميكروبية.
وقد أفادت دائرة الاستئناف في تحليها بأن المحاكم اللبنانية تعتمد بصورة عامة مقاربة ضيقة النطاق في ما يخصّ الركن الثاني (ب)، وذلك بحصر جرائم الإرهاب في تلك الجرائم المرتكَبة بالوسائل المعددة في قانون العقوبات، والتي لا تشمل الاعتداءات المرتكبة بالرشاشات على سبيل المثال. وخلصت غرفة الاستئناف الى أن قانون العقوبات اللبناني ذاته يدل على أن تعداده لوسائل الجريمة الإرهابية إنما هو على سبيل المثال لا الحصر، وبالتالي يمكن المحكمة أن تفسّر أحكام قانون العقوبات ذات الصلة تفسيراً أوسع نطاقاً.
3. الجرائم والمسؤولية الجنائية:
رأت دائرة الاستئناف أن القانون اللبناني ينطبق على جريمتي القتل والمؤامرة. وترد في النظام الأساسي للمحكمة إشارتان إلى أشكال المسؤولية الجنائية، وذلك في المادة 2 التي تركّز على قانون العقوبات اللبناني، وفي المادة 3 التي تبين أشكال المسؤولية وفقاً للقانون الجنائي الدولي. وقد نظرت غرفة الاستئناف في احتمال وجود تنازع بين هذين القانونين، وخلصت الى استنتاج مفاده أن القانون اللبناني يتوافق مع القانون الدولي في معظم الأحوال في هذا الصدد.
وتفيد غرفة الاستئناف بوجوب تطبيق القانون اللبناني عندما لا يوجد تنازع بين هذا القانون الدولي، ووجوب تطبيق النظام القانوني الذي يتبيّن أنه يحفظ حقوق المتهمين أكثر من غيره عندما يوجد تنازع بين هذين القانونين.
4. اجتماع الجرائم والادّعاء بأكثر من وصف جرمي للفعل الواحد.
ترتكز هذه المسألة على الآتي:
(أ) ما إذا كان من الممكن أن يؤدي السلوك الواحد (مثلاً زرع قنبلة) الذي يسلكه فرد ما الى اتهامه بتهم مختلفة (القتل والإرهاب مثلاً)؟
(ب) ما إذا كان من الجائز الادّعاء بأكثر من وصف جرمي للفعل الواحد (القتل والإرهاب) أو التخيير بينها (القتل أو الإرهاب)؟
ولفتت دائرة الاستئناف الى أن القانون اللبناني يُجيز اجتماع الجرائم المعنوي. وذكّرت المحكمة المدعي العام بضرورة الحرص على إطلاع المتهمين على التهم الموجهة إليهم بأوضح طريقة ممكنة. ولن يسمح بالادعاء بأكثر من وصف جرمي للفعل الواحد إلا عندما تختلف الجرائم المنسوبة الى المتهمين اختلافاً حقيقياً بحكم طبيعتها.

لا شرعية لرياشي وشمس الدين؟

وتعليقاً على الجلسة، أبدى اللواء الركن جميل السيد الملاحظات الآتية:
أولاً: إن وجود القاضي رالف رياشي في عداد الجلسة يتنافى مع المبادئ والمعايير القانونية الدولية، لأن رياشي شارك بصفته مشرّعاً في صياغة النظام الأساسي للمحكمة بتكليف من الحكومة اللبنانية، فيما تلك المبادئ القانونية تمنع على المشرّع أن يمارس دور القاضي في النصوص التي شارك في صياغتها.
ثانياً: إن وجود القاضي عفيف شمس الدين في عداد المحكمة يتنافى مع مبدأ الحيادية والنزاهة، تماماً كما هي حال رياشي، لكونهما عُيّنا في المحكمة الدولية من قبل حكومة لبنانية منحازة ومشاركة في مؤامرة شهود الزور برئاسة فؤاد السنيورة. هذا عدا عن أن وثائق ويكيليكس قد كشفت بأن وزير العدل اللبناني شارل رزق مرّر إلى السفير الأميركي في بيروت أسماء أربعة قضاة من أصل 12 قاضياً لبنانياً اقترحتهم الحكومة اللبنانية على الأمين العام للأمم المتحدة، طالباً من السفير الأميركي الضغط على الأمم المتحدة لتعيين هؤلاء الأربعة تحديداً، ومن بينهم رياشي وشمس الدين.
ثالثاً: إن استشهاد رئيس المحكمة كاسيزي علناً خلال الجلسة بالحكم الصادر عن المجلس العدلي اللبناني بحقّ سمير جعجع في جريمة اغتيال الشهيد داني شمعون وزوجته وولديه، يعطي دلالة أكيدة وحاسمة على صدقية جهاز الأمن اللبناني حينذاك وكفاءته وعلى صدقيّة الأحكام التي صدرت عن المجلس العدلي ضد جعجع في جرائمه الإرهابية التي ارتكبها في اغتيال شمعون ورشيد كرامي، وفي جريمة تفجير كنيسة سيدة النجاة التي أُدينت فيها القوات اللبنانية ومعظم مساعدي جعجع، الذي برّئ فقط للشك وعدم كفاية الدليل.
(الأخبار)




القرار الاتهامي بعد 6 أسابيع أو ...

كم تستغرق عملية نظر قاضي الإجراءات التمهيدية في قرار الاتهام؟
تفيد التقديرات الأولية الخاصة بعملية النظر في قرار الاتهام بأن هذه العملية ستستغرق فترة تراوح بين ستة وعشرة أسابيع على الأقل. ولم يطرأ أي تغيير على هذه التقديرات على الرغم من احتمال استغراق هذه العملية أكثر من عشرة أسابيع نظراً لدرجة التعقيد التي يتّسم بها هذا الموضوع ولحجم المواد المؤيدة لقرار الاتهام.
متى يُعلن محتوى قرار الاتهام؟
يبقى قرار الاتهام سرياً أثناء عملية النظر فيه بهدف حماية الفرد المذكور (الأفراد المذكورين) فيه. ويُتوقّع إعلان محتوى قرار الاتهام إذا صُدّق هذا القرار. ويجوز مع ذلك، في ظروف استثنائية، لكلّ من المدعي العام ورئيس مكتب الدفاع أن يطلب الإبقاء على سرية قرار الاتهام بعد تصديقه (مختوماً) حفاظاً على مصلحة العدالة. ويفصل قاضي الإجراءات التمهيدية في أي طلب في هذا الصدد.