«تُعدّ ثقة الجمهور العامل الأساسي الذي يقوم عليه عمل كل محكمة. فلا غرابة إذاً في أن يركّز خصوم المحكمة تهجّماتهم على صدقية التحقيق، في محاولة لزعزعة ثقة الجمهور العام بها». ورد ذلك في الصفحة 27 من التقرير السنوي الثاني الذي قدّمه أخيراً رئيس المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال رفيق الحريري، القاضي أنطونيو كاسيزي، إلى بان كي مون وسعد الحريري. لكن «التهجّم» على «صدقية» التحقيق الدولي ارتكز على عناصر تستدعي، بحسب المعايير الدولية في مجال العدالة الجنائية، اتخاذ القاضي أنطونيو كاسيزي، بصفته رئيساً للمحكمة، إجراءات فورية لمعالجتها. فـ«التهجّم» على صدقية التحقيق ارتكز بالأساس على ثلاث ممارسات:

ـــــ تسريب محاضر التحقيق وتسجيلات المقابلات التي أجراها المحققون الدوليون مع شهود مشتبه فيهم.
ـــــ اعتماد المحققين الدوليين على شبكة الاتصالات، بينما أقرّ اتحاد الاتصالات الدولي ووزارة البريد والاتصالات اللبنانية باختراق الشبكة من قبل الاستخبارات الإسرائيلية.
ـــــ ازدواجية معايير المدعي العام الدولي، حيث إنه اعترف علناً باستجوابه مسؤولين في حزب الله بصفتهم شهوداً، بينما رفض الإفصاح عن مجرّد احتمال استجوابه إسرائيليين أو أشخاصاً موجودين في إسرائيل.
إن رئيس المحكمة الدولية مؤتمن على حسن سير عملها وعلى تنفيذ مقتضيات قرار مجلس الأمن 1757/2007 الذي ينص على وجوب عمل المحكمة وفق «أعلى المعايير الدولية في مجال العدالة الجنائية». لكن يبدو أن كاسيزي فضّل تحميل منتقدي المحكمة مسؤولية إخفاقاتها المهنية وتجاوز الموظفين فيها للمعايير العدلية، بدل أن يعالج الشوائب عبر منع التسريبات وتصحيح أخطاء المحققين.
قال كاسيزي إن «الانتقاد المركز الذي واجهته المحكمة تطوّر منذ مباشرة أعمالها إلى حملة تضافرت فيها جهود بعض الجهات ضد وجود المحكمة بحدّ ذاته» (صفحة 21)، لكنه تناسى على ما يبدو أن «وجود المحكمة» لم يحظ بموافقة مجلس النواب اللبناني، ولم يحصل وفقاً للآليات الدستورية الوطنية، وبالتالي لا بدّ أن يعبّر البعض عن انتقادات بشأن «وجود» هذه الآلية الدولية التي تتدخّل في الشؤون القضائية اللبنانية، وذلك انطلاقاً من الحس بالمسؤولية الوطنية.

سياسة الردّ الانتقائي

أقرّ كاسيزي في تقريره بأن «مكتب المدعي العام كان انتقائياً في إصدار بيانات صحافية رئيسية، وذلك لتحديث معلومات عن تطورات مهمة أو عندما يستشعر ضرورة للردّ على معلومات خاطئة أو معلومات مضللة، أو إثارة عراقيل» (صفحة 27). الفضيحة لا تكمن في عدم تحديد معايير «استشعار» المدعي العام لضرورة الردّ، بل في تناقض ذلك مع تصريحات سابقة صادرة عن المحكمة الدولية. ففي 24 أيار 2009، صدر عن مكتب المدعي العام في المحكمة الدولية بيان رسمي، تعليقاً على نشر مجلة «دير شبيغل» الألمانية ما قالت إنه تسريبات من محققين دوليين، تشير إلى الاشتباه في أشخاص من حزب الله بالضلوع في جريمة اغتيال الحريري. وجاء في البيان:
«إن مقاربة المدعي العام دانيال بلمار للإعلام العام كانت وما زالت مقاربة مسؤولة مبنية على مبادئ، وتعير أهمية قصوى لضرورة الحفاظ على نزاهة التحقيق، ولا سيما عبر الحفاظ على سريته. وبالتالي، يكرر مكتب المدعي العام أنه تماشياً مع هذه المقاربة ومع السياسة التي يتبعها، لن يعلّق على تفاصيل عملية تتعلق بالتحقيق الجاري.
ثانياً، منذ أن تسلّم منصبه الحالي في المحكمة الخاصة بلبنان، وخلال عمله بصفة رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، لطالما رفض المدعي العام بلمار الإجابة عن التخمينات والادّعاءات التي تنشرها وسائل الإعلام أو تلك المتناقلة عبرها والمتعلقة بنتائج التحقيق. يكرر مكتب المدعي العام أنه لن يناقش القضية في الإعلام». وكان دانيال بلمار نفسه قد أجاب عن سؤال وجّهه إليه الصحافي آرثر بلوك (موقع لبنان الآن في 31 آب 2010) بالتأكيد أنه قابل «مسؤولين في حزب الله بصفتهم شهوداً». وبالتالي لم يلتزم بلمار نفسه بما صدر عنه في 24 أيار 2009، فلم يحترم مقاربته «المسؤولة المبنية على مبادئ، والتي تعير أهمية قصوى لضرورة الحفاظ على نزاهة التحقيق، ولا سيما عبر الحفاظ على سريته»، إذ إن هوية الشهود يفترض أن تبقى سرية، وذلك بحسب أبسط المعايير الدولية في مجال العدالة الجنائية.

الرئيس يجهل أو يتجاهل

تضمّن تقرير رئيس المحكمة الدولية إقراراً واضحاً بأن اللواء الركن جميل السيد، الذي احتجز لنحو أربع سنوات تعسّفاً، كان، خلال الفترة الأخيرة من هذا الاعتقال، في عهدة المحكمة. وجاء في الصفحة 8 أن «السيد واحد من الأفراد الذين أخلت المحكمة سبيلهم عند بدء ولايتها». لكن ورد في تقرير كاسيزي كلام غير صحيح عن قضية السيّد، ما يدعو إلى التساؤل عن الأسباب. فقال كاسيزي إن المحكمة أخلت سبيل السيّد في 29نيسان «بموجب قرار أصدره قاضي الإجراءات التمهيدية لعدم كفاية الأدلة لإبقاء السيد قيد الاحتجاز» (صفحة 9). وتكرّر الخطأ نفسه في الصفحة 39، حيث ورد أن المحكمة أمرت «بإخلاء سبيل الضباط اللبنانيين الأربعة الذين كانوا محتجزين في سجن لبناني، نظراً إلى عدم كفاية الأدلة ضدهم».
الصحيح في هذا الأمر ننقله حرفياً عن قرار قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين الذي جاء فيه: «يرى المدعي العام، بعد النظر في كل المواد التي جمعتها لجنة التحقيق والسلطات اللبنانية ومكتبه، أن المعلومات التي في حوزته حالياً ليست موثوقة بما فيه الكفاية لتبرير توجيه الاتهام إلى الأشخاص الموقوفين. في ضوء هذه الظروف، وإنفاذاً لمبدأ قرينة البراءة، رأى المدعي العام أنه لا مبرّر لإبقائهم قيد الاحتجاز» (الفقرة 12). يبدو أن كاسيزي تجاهل قضية النص في صدقية المعلومات، وفضّل تضليل الناس، عن قصد أو غير قصد، عبر قوله إن الأدلّة لم تكن كافية لإبقاء الضباط قيد الاحتجاز.
نلفت أخيراً إلى ارتباك كاسيزي في تسمية قضية اللواء الركن جميل السيّد في تقريره، إذ يطلق عليها تارة «قضية جميل السيد» (صفحة 5)، وأطواراً أخرى «قضية السيد جميل السيد» (صفحات 9 و18 و27 و39)، وفي الصفحة 37 يقول «قضية اللواء السيد».




سياسة إعلامية «قوية»

حدّد القاضي كاسيزي النهج المستقبلي للمحكمة بالآتي: «مواصلة تنفيذ سياسة إعلامية قوية واستراتيجية المحكمة للتواصل الخارجي، لضمان إدراك المواطنين في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط وعلى الصعيد الدولي، لدور المحكمة وأنشطتها. وبغية الوصول إلى أوسع جمهور ممكن، سيصدر المزيد من المواد الإعلامية، وستقام في بيروت ولاهاي سلسلة من النشاطات التي تُعنى بعمل المحكمة» (صفحة 23). وبدا ذلك للتغطية على تجاوزات مكتب المدعي العام الدولي لأبسط المعايير الدولية في مجال العدالة الجنائية. أما بخصوص الشفافية، فقد ورد في التقرير «تعزيز الشفافية في عمل المحكمة القضائية إلى حدّ لم تشهده من قبل المحاكم الجنائية الدولية الأخرى» (صفحة 10). غير أن المحكمة لم تنشر تقرير المراجعة الأولى لحسابات المحكمة، الذي أكد كاسيزي في تقريره السنوي أنه وُضع في أيلول 2010 (صفحة 22)، على الرغم من أن هذا التقرير لا يدخل ضمن السرّية التي يفترض الحفاظ عليها. فمن حقّ اللبنانيين الذين يسدّدون 49% من موازنة المحكمة معرفة كيف تُصرف أموالهم.