ليست المرّة الأولى التي يتلاعب فيها مجهولون بأعصاب قضاة وموظّفي وروّاد قصر العدل في بيروت. كما أنها ليست المرة الأولى التي ينجحون فيها في إثارة البلبلة وترويع المواطنين ليتبيّن أن الخبر عارٍ من الصحة. فقد ترددت معلومات بأن رئيسة محكمة جنايات بيروت القاضية هيلانة اسكندر قد تلقّت اتصالاً من مجهول يُخبرها بأن هناك عبوة ناسفة داخل القصر، ولفت الاتصال إلى أنها ستنفجر خلال وقت محدد. انتشر الخبر بسرعة قياسية، فأثار حالاً من الذعر في الداخل. سرعة انتشار الخبر لم تكن قياسية نسبة الى الوقت القياسي الذي جرى فيه إخلاء قصر عدل بيروت. الأمنيّون كانوا في حالة حيرة تجاه ما يتردد، فمعظمهم كان مقتنعاً بأن «الخبرية» ليست سوى شائعة تهدف إلى خلق بلبلة لتأجيل جلسات المحاكمة، لكنهم لم يجرؤوا على المجازفة. كذلك كانت حال القضاة، فقد علمت «الأخبار» أن رئيس محكمة التمييز القاضي سعيد ميرزا أعطى أوامره باستئناف العمل، لكن «الشائعة» كانت قد وجدت طريقها إلى قلوب روّاد القصر الذين تركوه خالياً على عروشه ورحلوا. لذلك استُقدم إلى القصر خبراء متفجرات لإجراء مسح في غرف القضاة والموظّفين ومختلف أروقة القصر. وقد تناقلت الوسائل الإعلامية خبراً عن لحاق بعض الأشخاص بمشتبهٍ فيه قالوا إنه وضع كيساً أسود يحتوي على متفجرات، قبل أن يلوذ بالفرار. لكن مسؤولين أمنيين نفوا لـ«الأخبار» ما ساقته الوسيلة الإعلامية، واضعين ذلك في إطار التضخيم الذي تحتمله الشائعة. وأشار المسؤولون المذكورون إلى أنهم يشتبهون في أن يكون موقوفون هم وراء الاتصال لغايات يهدفون من ورائها إلى تأجيل جلسات محاكمة كانوا سيخضعون لها.

تجدر الإشارة إلى أنه منذ نحو أشهر تلقّى الرئيس الاستئنافي في قصر عدل بعبدا القاضي كلود كرم اتّصالاً مشابهاً لاتصال أمس عن عبوة وُضعت داخل عدلية بعبدا. يومها أخلي القصر واستُدعي خبراء المتفجرات وكلاب اقتفاء الأثر. لكن، لم يلبث أن تأكد خلوّ القصر من أي غرام TNT ليُعلن أن أهداف الاتصال هذا مشبوهة. وفي هذا السياق، يُشار إلى أن تحقيقاً كان قد فُتح في هذا الخصوص لتحديد هوية الفاعلين، لكن يبدو أنه لم يتوصّل إلى أي نتيجة. انطلاقاً من ذلك، وبناءً على البلبلتين السابقتين، يُفترض على المعنيين اتّخاذ خطوات حاسمة للحؤول دون تلاعب أي كان بهذا المرفق العدلي الحسّاس.
من جهته، أوضح النائب العام لدى محكمة التمييز، القاضي سعيد ميرزا، في وقت لاحق أمس، أن رئيسة محكمة الجنايات في بيروت القاضية هيلانة إسكندر تلقّت اتصالاً هاتفياً من أحد الأشخاص يفيد بوجود متفجرة في قاعة محكمة الجنايات، لكن تبيّن أن الأمر غير صحيح. وأكدّ ميرزا في حديث إذاعي أنه لم يُخلَ قصر العدل بسبب ما حصل، بل استمرت الجلسات بوتيرة عادية، في الوقت الذي تابعت فيه الأجهزة الأمنية المختصة ملاحقة المتصل الذي تبيّن أنه أجرى اتصالاته من إحدى الكابينات على الطريق. وفي هذا الإطار، علمت «الأخبار» أنه أعيد بعض الموقوفين إلى السجن بعد أن كانوا قد أُحضروا إلى قصر العدل للمحاكمة، وأن القوى الأمنية والقضاة أخذوا الأمر بداية على محمل الجد، قبل أن يتبيّن أن الاتصال «فارغ».