رغم أن خلطة بارود، مطعم الفول الأقدم في صور، ظلت سرية، توارثها أولاده وأحفاده الذين منهم من تابع إدارة المحل الأصلي، ومنهم من افتتح فروعاً في صور وبيروت، إلا أن بعض العمال ممن تدرّبوا في «المدرسة البارودية» حظوا بفرصة اكتشاف السر، ليفتتح كل منهم لاحقاً مطعمه. في هذا السياق، امتلك الإخوة علي وحسين وإبراهيم مزرعاني، الذين تتلمذوا على يدي خالهم بارود، السر ثم افتتحوا محلهم الخاص في مطلع الستينيات.

«السر في الرمل» يقر علي. فعلى الجمر، في فرن الحطب القريب، وعلى فرنية خاصة، توضع حبات الفول مع الماء من دون إضافات، في جرار تحاط بالرمل حيث تغلي وتختمر لأكثر من اثنتي عشرة ساعة، وكلما غلت أكثر، أُضيف اليها الماء. بعدها تنقل الى المحل حيث يُستكمل غليها على الفحم. وعند الطلب، يُغرف الفول من الجرة ويُهرس يدوياً بالكبشة، وهي عبارة عن ملعقة حديدية كبيرة بيد طويلة، ثم يُقدّم مع تتبيلة الحامض والثوم والملح وفوقه زيت الزيتون الأصلي والى جانبه حبة بصل وأوراق نعناع. يوضح علي أن البعض يضيفون إلى طبق الفول عدساً مجروشاً وزبدة وسمنة بلدية وبندورة مقطّعة. أما الحمص الذي يلازم طبق الفول، فهو يغلي على بابور الكاز قبل أن تنزع قشوره ويقدَّم على أنواعه المختلفة كـ«المسبّحة» التي تضاف اليها الطحينة والملح والحامض والثوم والزيت، أو «البليلة» التي تشبهها لكن من دون طحينة، الى جانب الحمص الناعم المهروس.
وإذا كان ورثة مدرسة بارود لا يزالون ملتزمين بالطرق القديمة في صناعته، فإن بعض الفوّالين الجدد لم يجدوا من داع لكل تلك «اللبكة». هكذا، يكتفي جهاد عابد (صاحب محل) مثلاً بغلي الفول على النار وقتاً طويلاً بدلاً من استخدام الطريقة التقليدية المرتكزة على الجمر والرمل، قبل أن يهرسه آلياً بالماكينة الكهربائية ويضيف إليه التتبيلة المعروفة. مع ذلك، يلقى محله، الذي افتتحه قبل عشرين عاماً، إقبالاً، ليس على مذاق الفول وحده، بل على «السرفيس» الذي يقدمه معه، أي الخبز الطازج والخضر المشكلة والزيتون والمرطبات.
يتحدث جهاد عن تطورات أصابت الفول في صور، أهمها أنه لم يعد أكلة شعبية، حتى إن الفقراء لم يعد بإمكانهم تناوله يومياً، إذ إن سعر صحن الفول الواحد، على صغر حجمه لا يقلّ، في جميع المحال، عن ثلاثة آلاف ليرة. المشهد اختلف عن السابق، بحسب جهاد، حيث تحولت المطاعم من بسطات صغيرة متواضعة الى صالات تستقبل الزبائن كأيّ مطعم عادي.
أما عن مصدر الفول، فيشير مزرعاني الى أن الفوّالين يعتمدون على شراء الفول المستورد الإنكليزي والأميركي، إلا أنه يؤكد أن الفول المصري هو الأجود. أما البلدي، فليس جيداً لأن قشرته تكون قاسية لا تصلح للغلي والهرس.