«تحكّم في النفط تتحكم في الأمم. تحكّم في الغذاء تتحكّم في الشعوب». تبدو تلك المعادلة، التي أعلنها وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسينجر بعدما هزّ العرب، للمرة الوحيدة في تاريخهم، العصا للغرب، خلال الأزمة النفطية عام 1973، غائبة تماماً عن الوعي العربي، فيما تكاد تلخّص إحدى استراتيجيات الهيمنة التي يعتمدها الغرب في علاقته مع بلداننا العربية الغنية بالنفط. فالغرب لا يمتلك كميات الذهب الأسود التي تمتلكها البلاد العربية، إلا أنه، بحثاً عن التوازن، استثمر في الغذاء، لتحقيق المعادلة المذكورة: حوّل الغذاء من حقٍّ إلى سلعة، مخصصاً حوالى 100 مليار دولار سنوياً لدعم إنتاج الغذاء وتصنيعه وتسويقه. تلك الأغذية المصنّعة غزت الأسواق العربية التي أصبحت شعوبها تابعة غذائياً لأن إنتاجها المحلي يعجز عن مجاراة الدعم الهائل الذي تقدمه الدول المصدّرة إلى شركاتها المصنّعة، فهو يبدو أغلى ثمناً بمراحل من ذلك المستورد المدعوم، الذي تدافع عنه بشراسة ثلة المستوردين المستفيدين طبعاً.

في المقابل، يمتلك العرب أكبر مخزون نفطي في العالم. لديهم أيضاً الفوسفات. وتلك مواد أولية ضرورية لتشغيل مصانع الغرب وآليته الإنتاجية. هل يدركون ذلك؟ حين تتحدث الثورات المشتعلة في أكثر من بلد عربي اليوم عن إعادة ثروات الشعب، فإن ذلك يجب ألا يقتصر على استرداد الأموال التي كدّسها من نهبوا بلادهم، والتي يُكشَف عنها واحدة تلو الأخرى، بل يجب أن يتضمن أيضاً المطالبة باسترداد حق أبناء البلد بثروات بلادهم الطبيعية. فتلك ثروات، لو استردتها الشعوب، وأحسنت إدارتها واستثمارها، فستكتشف قيمة ما كانت محرومة منه، على الأقل، استعادة، لن نقول الهيبة، بل على الأقل بعض الحضور، على المستوى العالمي.