يجلس رئيس البلدية في مكتبه قلقاً. يجري عشرات الاتصالات الهاتفية. يستفسر ويستوضح من أصدقاء ومقرّبين وزملاء عن تقنيات كاميرات المراقبة وأسعارها، وكيف سترصد المبالغ المالية لها، ومن أين؟ يصمت قليلاً قبل أن يقطع اتصال هاتفيّ صمته المحيّر «أوف ... كتير غالي. ما في موازنة هالقد»!

مهمة جديدة تتجه الدولة وأجهزتها الأمنية لتكليف السلطات المحلية بها: تركيب كاميرات مراقبة لتكون عاملاً مساعداً للأجهزة الأمنية في تحقيقاتها حول ما يجري في البلاد من توترات وأحداث أمنية متنقلة بين منطقة وأخرى. فخطف الأستونيين السبعة في زحلة، ثم تفجير عبوة في كنيسة السيدة في الحي الصناعي بالمدينة، أوقع الأجهزة الأمنية في أتون العجز الأمني من جديد. عجز على البلديات أن تتحمل مسؤولياته من حسابها المالي. أي خدمة مجانية من خارج نطاق مهماتها التي ينص عليها القانون. فوزارة الداخلية والبلديات، ومتفرعاتها الإدارية، لم تجد حرجاً قانونياً في قيام بلديات بتركيب كاميرات مراقبة بناءً على طلب أجهزة أمنية. ولم يستطع وزير الداخيلة زياد بارود الذي تفقد الكنيسة التي تعرضت لتفجير وعمل إرهابي مع كبار ضباط الأجهزة الأمنية العائدة لوزارته ولوزارة أخرى، مواجهة «نظرية» كبار ضباط الأمن والاستخبارات بوجوب الطلب من البلديات تركيب كاميرات مراقبة.
«الأمن البلدي الذاتي». مهمة جديدة ملقاة على عاتق بلديات لبنان. وقد بدأت من البقاع لتصبح لاحقاً عرفاً يلزم البلديات بتخصيص مبالغ مالية من صناديقها «الفارغة» أصلاً وفصلاً، وتتحول الى «عين إلكترونية» ساهرة على أمن الوطن والمواطن. وإذا كانت البلديات هي التي ستتولى من الآن وصاعداً مهمة كشف شبكات الإرهاب والأعمال التخريبية، فلماذا لا تحوّل إليها الأموال من موازنات قوى الأمن الداخلي ووزارة الدفاع لتنفيذ هذه المهمة الوطنية؟
على وزير الداخلية زياد بارود أن يعطي تفسيراً. فبلدية مدينة زحلة في بيانها الى الرأي العام كانت واضحة وصريحة. وقالت عن حسن نية «إنها باشرت منذ مدة بالتنسيق الكامل مع الأجهزة الأمنية وقياداتها الإقليمية في منطقة زحلة من أجل إقامة مركز مراقبة بالكاميرات لمداخل المدينة». وتتابع البلدية إنه «بنتيجة الاجتماع الذي عقد مساء 27/3/2011 في صالون الكنيسة (السيدة) بحضور وزير الداخلية والبلديات زياد بارود وفاعليات المدينة الروحية والسياسية وقادة الأجهزة الأمنية، فإنها ستباشر بعملية التركيب فور جهوز دراسة الاختصاصيين للمواقع بالتنسيق الكامل مع القيادات الأمنية». وإذا تمعّن القارئ بالبيان «الزحلاوي»، فإن «أمر» تركيب البلدية كاميرات المراقبة جاء بناءً على طلب من الأجهزة الأمنية، والتركيب سيكون بالتنسيق معها.
تنسيق سيشمل قريباً معظم بلديات لبنان. فهل سيطلب من البلديات لاحقاً إنشاء جهاز أمني واستخباري؟!