لا يخفي رئيس بلدية سعدنايل (قضاء زحلة) خليل الشحيمي الصعوبات القانونية والإدارية التي تعوق العمل البلدي في لبنان. فتجربته، هو المتحمّس للعمل البلدي الذي دخله إثر معركة انتخابية قاسية في بلدته المحورية في البقاع الأوسط، راكمت عنده مجموعة من الملاحظات تتلخص جميعها في بند واحد: «القوانين المرعية الإجراء في عملنا البلدي حوّلت السلطات المحلية إلى شكل بلا مضمون». يضيف الرجل «الاحتياجات كبيرة، مواردنا قليلة والقوانين مرهقة. كلّ البلديات في لبنان تعمل باللحم الحيّ. هذه حالنا في بلدية سعدنايل اليوم. أصبحنا نعتمد على المتبرّعين لتنفيذ ما نطمح إليه من مشاريع إنمائية وتنموية، ولا بد من إدخال «الواسطة» حتى نسرّع في إنجاز بعض معاملاتنا الإدارية عند السلطات المعنية».

كلام الشحيمي الذي تسمعه من عشرات رؤساء البلديات في لبنان، لا ينتفي إلا مع «إقرار اللامركزية الإدارية» كما يأمل لأنه «يجب إعطاء البلديات صلاحيات أوسع حتى تستطيع القيام بمهماتها التي تزيد عليها الدولة مهمات أخرى هي بالأساس من صلاحيات وزارات خدميّة تتهرب من تحمّل المسؤولية بحجة عدم توافر الأموال». يشرح: «نحن في سعدنايل اضطررنا إلى إنارة الطريق الدولية التي تشطر بلدتنا خلال انقطاع التيار الكهربائي تأميناً للسلامة العامة ليلاً. هذا المثال يعطي صورة عن مدى تقاعس مؤسسات الدولة عن القيام بوظيفتها، لا بل تحميلنا أعباء إضافية. وللأسف، الدولة تعطينا بيد وتأخذ بالأخرى». مضيفاً «منذ سنوات وبلدتنا تطالب وزارة الأشغال العامة برفع جسور للمشاة، ولأن لا صلاحيات قانونية تجيز لنا تولي المهمة، فقد سقط عشرات الضحايا من الأهالي، إلى أن سمحت لنا الوزارة أخيراً برفع جسر واحد فقط، على حساب البلدية، فيما تحتاج سعدنايل إلى أكثر من 5 جسور للمشاة». ويردف «القانون يلحظ دورنا في مساعدة الأهالي، ولذا ندرس اليوم إمكان شراء مولدات كهربائية لتخفيف الأعباء المالية عن المواطنين، في ظلّ جشع أصحاب المولدات الخاصة. فلو أحسنت الدولة إدارة قطاع الكهرباء لما كنا نحن وغيرنا سنولي اهتماماً بهذا القطاع على حساب بعض القضايا الإنمائية الأخرى. إننا نقوم بمهمات الدولة التي ترفض تطوير قوانين تسهم أصلاً في تخفيف الأعباء عنها».
هذه الأمثلة القليلة التي يقدّمها الشحيمي عن مدى تناقض الصلاحيات بين عمل البلدية ومؤسسات الدولة، لا حلّ لها إلا «بقانون عصري ومتطوّر ينظّم العمل البلدي. ويمكن لبنان أن يستفيد من تجارب دول عريقة في عمل السلطات المحلية، وهي مهمة صغيرة لا تتطلب «مؤتمر طائف» ينظم عمل البلديات بسلاسة». هذا الخلاصة المتأتية من تجربة الشحيمي القصيرة (أقلّ من سنة) يعقّب عليها نائبه نديم الشوباصي الذي كان له باع طويل في تطوير التعليم المهني الرسمي في لبنان قبل تقاعده: «سعدنايل بحاجة إلى كثير من المشاريع الإنمائية الأساسية. لكن، ماذا نفعل في ظل قانون يسلبنا طموحاتنا، وخزينة دولة مفلسة. فالقانون يجب أن يلحظ دور البلدية في مختلف الأمور من دون معوّقات إدارية وحتى سياسية. السلطة المحلية يجب أن تتمتع بنسبة مقبولة من الاستقلالية الإدارية كحد أدنى، لا أن ننتظر مثلاً المحافظ لكي يوقّع على معاملة في أقل من ثانية، بعد أن تكون قد أمضت فترة طويلة في الروتين الإداري أو وفق القوانين المرعية الإجراء». ويعدّد الشوباصي المشاريع الملحة التي تحتاج إليها سعدنايل «شبكة مياه الشفة هي من مهمة وزارة الطاقة والمياه، لكننا مضطرون إلى تأهيلها على حسابنا لأن مياه الصرف الصحي تتسرب إليها، وبالتالي لا يمكن ترك الأمور على ما هي عليه من خطورة على الصحة العامة بانتظار بدء وزارة الطاقة تنفيذ هذا المشروع الذي لا نراه قريباً، ولا نرى أملاً في تنفيذ الدولة لواجباتها، ما يلزمنا بتنفيذ ما تعجز عنه. ووفق دراسة البلدية، فإننا نحتاج إلى شبكة جديدة تكلفتها حوالى مليوني دولار، وهذا ما لا قدرة لنا على توفيره».
أكثر من 10 آلاف نسمة في سعدنايل، ونحو 500 لاجئ فلسطيني، يتوزعون على مساحة 4,59 كلم مربع. ويوضح الشوباصي أن النطاق البلدي لسعدنايل بحاجة إلى تعديل وتنظيم يلحظ التطور السكاني واحتياجاته الخدماتية والإنمائية: «تصوّر مثلاً أننا نقدّم الخدمات لأكثر من 200 وحدة سكنية، قاطنوها من سعدنايل، لكن عقارياً هم ضمن النطاق البلدي لمدينة زحلة التي تستوفي الضرائب والرسوم منهم، ونتولى نحن تقديم الخدمات ومنها جمع النفايات التي نطمرها في مكبّ زحلة الصحي وندفع رسوماً لبلدية المدينة. التداخل العقاري والبلدي يحتاج إلى إعادة نظر ولم نستطع التوصل الى حل مع بلدية زحلة».
ويؤكد الشحيمي أن «نقص» الأموال في البلدية ألزم أعضاء المجلس القيام بمهمات الجهاز الإداري غير الموجود كنتيجة طبيعية لعدم توافر الأموال ومعوقات قرارات السلطة المركزية، لافتاً إلى أن «موازنة البلدية السنوية لا تكفي لتنفيذ مشروع أساسي وحيوي واحد. فهمّنا الأكبر منصبّ الآن على تلبية احتياجات الأهالي الملحة والضرورية».
سعدنايل، التي تتميز بخليط سياسي متنوع، يعمل جزء لا بأس به من سكانها في الزراعة التي تعدّ محدودة النمو نتيجة صغر الرقعة الزراعية، ما أعطى دفعاً للنمو التجاري الذي أسهم في رفع أعداد المؤسسات التجارية التي تلتزم بدفع الرسوم البلدية بما نسبته 80% وأحدث هذا النمو الملحوظ، منذ عقد تقريباً، حراكاً اقتصادياً في البلدة، ما حوّلها إلى سوق مهمة في منطقة البقاع الأوسط، و«بالتالي فإن المهمات الملقاة على عاتق البلدية أصبحت كبيرة» يقول الشحيمي، الذي يلزمه نشاط السوق التجاري بتوفير بعض الخدمات الإضافية لتطوير هذا الاقتصاد المحلي الآخذ في التطور الكمي والنوعي.
تتميز سعدنايل عن محيطها بعدد مراكزها وجمعياتها وأنديتها ومنتدياتها الاجتماعية والثقافية والرياضية التي تحتاج إلى دعم لتطوير عملها وأهدافها التي تصبّ جميعها في خدمة المجتمع المحلي. ويقول الشوباصي إن أكثر من 9 جمعيات أهلية تحتاج إلى دعم مالي، ومن مهماتنا في العمل البلدي تقديم ما أمكن من مساعدات مادية ومعنوية، «لكن للأسف، نجد أنفسنا مقصّرين تجاه جمعيات المجتمع المدني المحلي، عدا عن أننا لا نقدّم المطلوب لمؤسساتنا التربوية الرسمية. طموحاتنا كبيرة، ولكن الدولة مفلسة وقوانينها البالية تحرمنا من تطوير مجتمعاتنا المحلية».




وعد الحريري القاطع

تلقى رئيس بلدية سعدنايل، خليل الشحيمي، وعداً قاطعاً من رئيس حكومة تصريف الأعمال، سعد الحريري، خلال لقاء ودي مشترك في وادي أبو جميل، بتقديمه دعماً مالياً لسعدنايل يقدّر بنحو مليون دولار لتشييد قصر بلدي ومدرسة في حيّ العمرية (أكثر من ألفي نسمة في هذا الحيّ البعيد نسبياً عن البلدة ويتبع عقارياً وبلدياً وانتخابياً لسعدنايل).
ويؤكد الشحيمي أن وعد الحريري سيتحقق قريباً جداً، بدليل أنه «وعدني بأنه سيضع شخصياً الحجر الأساس للمدرسة وللقصر البلدي».
اسم بلدة سعدنايل الآرامي المركّب من كلمتين: «سعد» ومعناها العطاء، والثانية «نائل» إلهة العطاء والمحبة، تنظر من «سعد» الحريري العطاء الكامل بعدما سلّفته المحبة. فهل يتحقق الوعد القاطع؟