غالباً ما يسكن تاريخ الشوارع والساحات في اسمها. وللتاريخ في بيروت حقبات عديدة، من الصليبيين إلى المماليك، ومن العثمانيين إلى الفرنسيين، فالعاصمة التي كبرت عاشت تاريخاً انطبع في ذاكرة أهلها فخلدوه في أسماء أحيائهم، سمير قصير، مي دايفي، صالح بن يحيى... خلدوا في كتبهم ومقالاتهم التغيّرات التي عرفتها المدينة وأسماء شوارعها. ومن أهم الأسماء التي تجسّد البعد التاريخي لبيروت أسماء ساحة البرج، الجمّيزة، زقاق البلاط، الأشرفية والحمرا.

عاشت بيروت خلف أسوارها في الفترة العثمانية بين القرن السادس عشر ومنتصف القرن التاسع عشر، وكانت المساحة المبنيّة للمدينة ضيقة، تمتد بين الحوض الأول للمرفأ ومبنى الآباء اللعازاريين وشارع المصارف فساحة البرج التي عرفت بهذا الاسم نسبة إلى البرج الصليبي الذي كان ينتصب في شرقها. كان البرج يعرف باسم برج الكاشف في الفترة المملوكية، وكانت مهمته الدفاع عن المدخل الشرقي الجنوبي للمدينة. لكن بسبب ازدهار صناعة الحرير وتجارته في جبل لبنان في القرن التاسع عشر، وافتتاح قناة السويس سنة 1869، خرجت بيروت من أسوارها واتسعت الرقعة المبنية واستُعملت حجارة الأسوار لبناء الأحياء الجديدة. وبعد سنة 1884 وُضعت التصاميم لإقامة حديقة أوروبية الطراز في وسط الساحة؛ لأن السلطنة أرادت جعل بيروت واجهة الحداثة العثمانية «المطرزة» على المنوال الأوروبي، فدُمّر البرج وأُنشئت حديقة السلطان عبد الحميد، فتحول اسم الساحة من البرج إلى الحميدية ! لكن ذلك لم يدم؛ ففي مطلع القرن العشرين، وصل الاتحاديون إلى السلطة في السلطنة وغُيِّرت أسماء الساحات والأزقة التي تحمل اسم السلطان المخلوع، فتحول اسم الساحة من الحميدية إلى الاتحاد. هذا الاسم لم يدم أيضاً؛ فمع الحرب العالمية الأولى، وصل إلى بيروت جمال باشا الذي عمد إلى التنكيل بالعرب بعد هزيمته في قناة السويس، فأعدم 13 لبنانياً وسورياً في الساحة التي بات اسمها ساحة الشهداء!
حاول الفرنسيون تغيير هذا الاسم الذي ذهب بعيداً في النفوس، فأطلقوا على الساحة اسم ساحة المدافع la place des canons تيمناً بإنزال العسكر الفرنسي في بيروت سنة 1860 وتمركز المدفعية الفرنسية في هذا المكان. لكن الاسم الجديد لم يلاقِ رواجاً مع عامة الشعب، أو حتى السلطات التي اعتمدت بعد الاستقلال تسمية ساحة البرج. لكن بما أن ذاكرة بيروت الشفهية حية، لا تزال التسميتان (البرج والشهداء) مستخدمتين. ومن ساحة البرج إلى شارع الجميزة الذي كان الخط الشمالي الرئيسي، والذي كانت تكثر على جوانبه أشجار الجميز المعمّرة، التي تبعثرت المقاهي في ظلالها، حيث كان البيارتة يتوافدون إلى تلك المنطقة للاستراحة وتذوق الطعام. وبعض المصادر التاريخية تؤكد وجود بعض بيوت الدعارة.
وفي أعلى الجميزة ترتفع تلة الأشرفية التي ينسب اسمها إلى السلطان المملوكي الأشرف خليل الذي قضى على الوجود الصليبي على سواحل بلاد الشام بعدما انتصر عليهم سنة 1289. وفي طريق العودة إلى القاهرة توقف السلطان في بيروت للاحتفال. تروي المصادر أن السلطان أقام وليمة ضخمة على رأس تلة تقع شرقي المدينة، دُعي إليها زعماء المنطقة لإعلان الوفاء للسلطنة. بقيت ذكرى الوليمة حيّة في نفوس البيارتة، ومع مرور الوقت، أصبح اسم التلة الأشرفية إكراماً للسلطان المملوكي.
أما زقاق البلاط، فاسمه عثماني بامتياز. فكلمة زقاق عثمانية وتعني الشارع. أما البلاط، فيؤرخ للشارع إلى نهاية القرن التاسع عشر، حينما قررت السلطنة تحديث المدينة التي باتت تشتهر ببيوتها الجميلة، فبدأت عملية تبليط الشوارع التي بدأت في الزقاق الواقع جنوبي السرايا الكبيرة. وتأثير المشهد كان قوياً إلى درجة أن السكان عرفوا الشارع ببلاطه.
أما شارع الحمرا، فقصّته ترتبط بحُماته في القرن الثالث عشر، أي الفترة المملوكية. فالمماليك أدخلوا نظام رقابة لحماية الساحل من أية هجمات صليبية، فبنوا أبراج المراقبة وكلفوا عشائر حراستها. وفي إطار هذا التنظيم، أُسكنت عشيرة بني الأحمر البقاعية في غرب رأس بيروت. مع مرور الوقت، اندثرت سلالة بنو الأحمر وبقي الاسم لأحد شوارع بيروت.
إن قراءة أسماء أحياء بيروت وشوارعها درس في التاريخ، تعيش فيه ذاكرة المدينة التي تعاني من محاولات طمسها؛ وذلك لتسويق صورة لبيروت «جديدة» مفرغة من سكانها ووجدانها، والمحافظة عليها إنما هي حفاظ على هوية المدينة، لكي لا تصبح واجهة جوهرها مفقود.