من تريدونه أن يتولى منصب وزير العدل في الحكومة القادمة؟ طرح السؤال على عدد من القضاء، المحامين، المساعدين القضائيين، وموظفي وزارة العدل، وفيما تحفّظ الكثيرون على الإجابة، اكتفى آخرون بالقول إن «دور وزير العدل في هذه المرحلة دقيق جداً، ولا بد له بالتالي من أن يتمتّع بحنكة وخبرة سياسيتين تجنّبان البلاد الدخول في المجهول». بينما رأى البعض الآخر أن دور وزير العدل لا «يقدّم أو يؤخّر» ما دام يتّبع السياسة العامة للحكومة التي تحدّد التوجهات العامة للبلاد، الأمر الذي يختلف بين ما إذا كانت الحكومة القادمة من لون واحد أو حكومة وحدة وطنية.


في المقابل، رأى البعض أنه «مهما كان نوع الحكومة أو لونها، فلا بد من تحييد وزارة العدل»، وذلك بأن يتسلم حقيبة العدل شخص «غير محازب»، على أن يكون المعيار الأول والأخير في اختياره هو الكفاءة البحتة. وعبّر بعض المحامين والقضاة عن مطالب أساسية على مستوى الجسم القضائي، كزيادة عدد القضاة والمساعدين القضائيين، وتحسين مستوى معيشتهم، تحديث مبنى العدلية وتجهيزه بالأدوات اللازمة لتسهيل عمل المرفق العدلي من خلال مكننة الملفات، تسريع التقاضي، الالتزام بموعد الجلسات، ضمان استقلالية القضاء والسلطات القضائية وشفافيتهما، من خلال انتخاب أعضاء مجلس القضاء الأعلى ومكتب مجلس شورى الدولة، وتفعيل دور جهاز الرقابة والتفتيش القضائي. ويستخلص مما سبق أن هناك ضرورة لاتباع استراتيجية إصلاحية يكون هدفها الأساسي استعادة ثقة الشعب في النظام القضائي، من طريق إقامة سيادة القانون وتعزيز العدالة. وتعتمد هذه الاستراتيجية على أربعة مبادئ رئيسية هي: استقلال القضاء، الشفافية، المساءلة والكفاءة. بناءً على ذلك، ينبغي أن تكون الدعائم الثلاث لإصلاح النظام القضائي هي بناء نظام عدالة يلبي احتياجات الشعب، إصلاح الجسم القضائي لدعم نظام العدالة، وإنشاء قاعدة شعبية تضمن مشاركة الجمهور في النظام القضائي. ولتطبيق ذلك عملياً، لا بد من التشديد على تحديث القوانين، وإصلاح نظام التدريب القانوني.
وزير من السلك القضائي
يفترض عدم الخلط بين مبدأ استقلال القاضي في عملية قيامه بمهماته القضائية وضرورة ممارسة الرقابة الإدارية على الجهاز القضائي من السلطة السياسية، المتمثلة بوزير العدل، وذلك بهدف ضمان استقلال هذا الجهاز وضمان حسن سير العدالة وتطبيق القوانين؛ إذ لا يجوز تحرير المراجع القضائية من أية رقابة في ظل نظام برلماني لا يحكمه فقط مبدأ فصل السلطات، بل أيضاً مبدأ تعاون هذه السلطات. ولهذا الاستنتاج أثر بالنسبة إلى تحديد مواصفات وزير العدل. فهل يشترط أن يكون حكماً من المجال الحقوقي والقانوني؟ أم يكفي أن يكون مطلعاً على الشؤون الإدارية (كأن يكون قد سبق أن شغل منصب وزير أو مدير عام في إحدى الوزارات)؟ حدّدت المادة الـ66 من الدستور أهلية الوزراء عموماً ومهماتهم ومسؤولياتهم، مكتفية بالنص على أنه «لا يلي الوزارة إلا اللبنانيون ولا يجوز تولي الوزارة إلا لمن يكون حائزاً الشروط التي تؤهله للنيابة»، المحددة في قانون الانتخاب. بمعنى آخر، يجب على وزير العدل أن يكون لبنانياً (أو لبنانية) مقيداً في قائمة الناخبين، أتم(ت) الخامسة والعشرين من العمر، متمتعاً(ة) بحقوقه(ها) المدنية والسياسية، ومتعلماً(ة). وأضافت المادة الـ66 أنه «يتولى الوزراء إدارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الأنظمة والقوانين كل بما يتعلق بالأمور العائدة إلى إدارته وبما خص به». وبالعودة إلى قانون تنظيم وزارة العدل، نجد أنه يلتزم الصمت لهذه الجهة، وفي العموم لجهة تحديد أية شروط واجبة التوافر في وزير العدل. لكن بالرجوع إلى أرشيف وزارة العدل، يتبيّن أن من الوزراء المتعاقبين عليها منذ اتفاق الطائف، من كانوا قضاة سابقين كالوزراء بهيج طبارة (1992ـــــ1998)؛ ثم (2000ـــــ2003)؛ عدنان عضوم (2004ـــــ2005)؛ خالد قباني (2004ـــــ2005)، أو محامين كالوزراء أدمون رزق (1989ـــــ90)؛ خاتشيك بابكيان (1990ـــــ1992)؛ نصري المعلوف (1992)؛ جوزيف شاوول (1998ـــ2000)؛ سمير الجسر (2000ـــــ2003)؛ إبراهيم نجّار (2008ـــــ20011)، بينما تسلم تلك الحقيبة كذلك من لا ينتمي إلى المجال الحقوقي والقانوني: الوزير السابق شارل رزق (2005ـــــ 2008).
يتضح مما سبق أنه في غالب الأحيان اقتضى العرف وطبيعة الوظيفة اختيار وزراء عدل من ذوي الاختصاص القانوني، على اعتبار أن هذه الوزارة تتطلّب، إلى جانب المهارات والخبرة في حسن الإدارة، اطلاعاً على الشؤون القانونية والقضائية، ما يمنح وزير العدل كفاءة وقدرة عاليتين في التوصّل إلى متابعة شؤون وزارته. فوزير العدل هو الذي يقترح على مجلس الوزراء، الذي بدوره يعيّن بمرسوم بناءً على هذا الاقتراح، نصف أعضاء مجلس القضاء الأعلى (أي خمس قضاة من أصل عشرة) لمدة ثلاث سنوات (المادة الثانية من قانون القضاء العدلي، المعدّل بالقانون الرقم 389 تاريخ 21 كانون الأول 2001). إضافة إلى ذلك، فإن النائب العام التمييزي، الذي يُعَدّ نائباً لرئيس مجلس القضاء الأعلى، يعيّن هو أيضاً بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل (بحسب المادة الـ31 من قانون القضاء العدلي). كذلك، إن الرئيس الأول لمحكمة التمييز، الذي يكون حكماً رئيساً لمجلس القضاء الأعلى، يعيّن بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل (المادة الـ26 من قانون القضاء العدلي). وهذه هي الحال أيضاً بالنسبة إلى رئيس هيئة التفتيش القضائي، التي يُعيَّن أعضاؤها بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل (المادتان 100 و 101 من قانون القضاء العدلي). فضلاً عن ذلك، يُعيَّن أحد القضاة من رؤساء الغرف في محكمة التمييز، وقاضيان من رؤساء الغرف في محاكم الاستئناف وقاضٍ من رؤساء غرف محاكم الدرجة الأولى وقاضٍ عدلي من بين رؤساء المحاكم أو من رؤساء الوحدات في وزارة العدل بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل بعد استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى. ولا تصبح التشكيلات القضائية التي يقررها مجلس القضاء الأعلى نافذة إلا بعد موافقة وزير العدل (المادة 5 من قانون القضاء العدلي). بناءً على ذلك، إن كان لوزير العدل صلاحية الاقتراح من دون أن تكون له صلاحية إصدار القرار في هذا المجال، فإن سلطته السياسية هذه لا بد لها من أن تقترن بمعرفة لحاجات وتفاصيل المرفق القضائي عن كثب.
* محامية وباحثة قانونية




شروط 2005 نفسها في 2011؟

في تموز 2005، لم تؤدِّ المفاوضات بين العماد ميشال عون ورئيس الحكومة المكلّف آنذاك، فؤاد السنيورة، إلى تأليف حكومة توافقية من خلال إشراك التيار الوطني الحر في هذه الحكومة. أحد أسباب الخلاف كان يكمن حينها في إصرار عون على أن تسند حقيبة العدل إلى أحد المقرّبين من تياره، كشرط أساسي للمشاركة في الحكومة، على اعتبار أن ذلك سيكون المدخل لتنفيذ مشروعه السياسي في مكافحة الفساد وهدر الأموال العامة. في المقابل، نظراً إلى الخصوصية الرمزية المتعلّقة بالتحقيق في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، سلّم الفريق الآخر بحتميّة إسناد وزارة العدل إلى أحد أعضائه، أو المحسوبين عليه.
إنه عام 2011، وانقلبت المقاييس وتبدّلت الأدوار. غير أن الدور المطلوب أن تؤدّيه وزارة العدل لم يتغيّر، وما زال فريق ينادي بفتح ملفات الفساد وتطبيق قواعد المساءلة والمحاسبة، يقابله فريق آخر متمسّك بالمحكمة الدولية، وما تمثله سياسياً وربما عاطفياً، ما يستدعي السعي الحثيث إلى إيجاد الجهة المناسبة للتعامل معها بعدما وصلت إلى مرحلة حسّاسة.