الأملاك العامة ليست ملكاً للدولة بل ملك للناس، لكن كُلّفت الحكومة، من خلال الثقة التي منحها إيّاها مجلس النواب المنتخب، بمهمّة حماية تلك الأملاك من أيّ تعدٍّ قد تتعرّض له. ولا بدّ من أن تتحرّك المؤسسات التابعة للسلطة التنفيذية، بإشراف القضاء، لوقف التعدّيات على الأملاك العامّة وملاحقة المعتدين ومعاقبتهم، بعد صدور الأحكام القضائية بحقّهم، وذلك وفقاً لما تقتضيه معايير العدالة.

لا يفترض أن يختلف أحد على ذلك. لكن هل يجوز أن يُقتل علي ناصر الدين ووسام طويل في ربيع عمريهما فيُيَتَّم أولادهما أثناء تحرك القوى الأمنية والعسكرية لقمع مخالفات البناء؟ هل يجوز أن تبادر القوى الأمنية والعسكرية «بحزم وإصرار» إلى قمع المخالفات التي يرتكبها فقراء في مناطق ريفية وفي ضواحي المدن، بينما تتردّد السلطات القضائية والأمنية والعسكرية وقياداتها، من رؤساء ووزراء وقضاة وضباط، في التعامل الجدّي مع مخالفات البناء في الأحياء الغنيّة من عين التينة إلى الأشرفية مروراً بفردان والرملة البيضاء والتباريس، وفي «المربّعات الأمنية» أو «المربّعات التجارية» في مختلف المناطق والمحافظات.
ففي بعض الحالات لا يخفى على أحد أن «إكراميّة» المخالِف أو علاقته «خاصة» بأصحاب النفوذ قد تحلّ «المشكلة».
بيان المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي الذي صدر يوم أول من أمس، تحدث عن اضطرار العناصر «إلى إطلاق النار في الهواء ترهيباً، بغية ردّ المحتجّين ومنعهم من الوصول إلى العناصر»، وأضاف البيان «أصيب أربعة أشخاص نقلوا إلى المستشفيات للمعالجة، وما لبث أن توفي اثنان منهم...». ألا يُفهَم من البيان أن علي ووسام قُتلا جرّاء إطلاق النار في الهواء؟ وألا يذكّرنا هذا البيان بالبيان الذي صدر يوم قتلت قوى الأمن الداخلي الطفلين محمد ناجي (12 سنة) وحسن سويد (17 سنة) في الرمل العالي (تشرين الأول 2010) خلال قمع مخالفات البناء؟
أليست قوى الأمن مجهّزة بالرصاص المطاطيّّ وبأدوات قمع الشغب؟ أم «مراجل» الدولة «القوية» والحفاظ على «الهيبة» يقتضيان مجابهة الناس بالنار والحديد؟ أمّا حجّة أن «الدولة» تعرّضت لإطلاق نار فلا تبرّر تيتيم خمسة أولاد. إنها جريمة. جريمة بحق فقراء لا يسأل عنهم أحد، لا الدولة ولا الأحزاب ولا التيارات ولا الحركات. جريمة بحقّ فقراء يتحوّلون في كل مرحلة إلى رهائن، يشتريهم «أبطال السياسة» بالرخيص أحياناً ويبيعونهم بالرخيص الرخيص.
سالت الدماء يوم أول من أمس، وسالت دموع وآلام أرملتين ووالدتين وعائلتين وأحبائهم... بصمت في حيّ فقير تحت ألواح «الزينكو»... بينما يتشاطر بعض المسؤولين في تبرير القتل واختراع الأعذار وعرض العضلات.
يبقى مجرّد سؤال: هل يمكن أن يسمع الرئيس والوزير والمدير والعميد أنين أمهات وأطفال وأحبّاء مَن قُتلوا أول من أمس؟ أم الصوت ضعيف ضعيف من شدّة الألم والفقر والعزلة، ولا يعلو ليصل إلى قصورهم وبناياتهم (الشرعية؟) في الأحياء الفخمة؟