كان في طرابلس 12 حمّاماً تستقبل سكان المدينة وزوارها يومياً. لكن تطور الحياة وتأمين المياه الجارية سبّبا اندثار لعادة التوجه الى الحمّام أسبوعياً، التي لا تتوقّف أهميتها على النظافة، بل تتوسع لتطاول الارتخاء والاندماج في المجتمع. أُقفلت الحمّامات مع تضاؤل عدد الزوّار وبات القسم الأكبر منها مواقع أثرية (حمّام عز الدين والحمّام الجديد) تفتح أبوابها أمام الزوّار ليتعرفوا إلى هندستها، لكن حمام العبد، الذي تصل إليه من سوق الصاغة، والذي يعود بناؤه إلى 1620، لم يتوقف العمل فيه منذ سنوات، ولا تزال جدرانه تبقي الوجود لعادة الحمّامات التي يزيد عمرها على أكثر من 2500 سنة. في الحمّام تلمس خصوصية المكان، فالجدران تعبق بالدفء والبخار وروائح الصابون المعطّرة. تتوسّط القاعة الأولى بركة خرير مياهها يريح أعصاب الزوار الجالسين على المقاعد الطويلة المغطاة بالوسائد والأقمشة الشرقية الطابع، وثمّة موقد نحاسي كبير وضعت على جنباته مصبّات القهوة العربية يرحّب بالزائرين. كل هذه العناصر تميّز هذه الغرفة المسمّاة المشلح، لأنه هنا يترك الزبون ثيابه ويرتاح على الأريكة وهو ينظر الى القبّة التي يزيد ارتفاعها على الثمانية أمتار. قبّة الحمام مزينة بزجاجيات تعكس أشعة الشمس الى الداخل بألوان مختلفة. ولأن الجلسة يجب أن تكون مريحة، يسارع عمال الحمام إلى تلبية طلبات الزبائن من مشروبات وأراكيل.

القبابيب الخشبية الموضوعة على الدرجة تقود خطاك نحو غرف الحمّامات الثلاثة: البارد والفاتر والساخن، التي تصل بينها ممرات فيها أنابيب لسحب الدخان. أحمد البرقدار، وهو المسؤول عن الحمّام ومديره يشرح أن «القسم الأول من الحمام يعرف بالجوّاني، وهي كلمة عامية طرابلسية تعني الأكثر عمقاً في الداخل. ويتألف من عدة غرف، واحدة للسونا وغرفتان للتبليل. هي المرحلة الأولى التي يتولاها المستحمّ بنفسه دون الحاجة إلى أحد. في هذه الغرف جرن حجري قديم يستوعب المياه الساخنة، ووعاء لصبّ الماء، حيث يعمد الزائر إلى تبليل جسده الذي يسخن تدريجاً، ويبدأ بالارتخاء. وبعد التبليل ينتقل المستحم الى غرفة التكييس، حيث يقوم عامل مختص بحفّ جسمه بواسطة كيس مصنوع من شعر الماعز، وتكون أهمية الكيس كونه يتميز بعدم نقل المشاكل الجلدية. ولأن الصابون أساسي في هذه المرحلة، تُترك للمستحم حرية اختيار الرائحة: عسل، ورد، غار.
بعد الانتهاء من التكييس ينتقل المستحم الى غرفة المساج حيث يُدلّك لمدة عشر دقائق. وبذلك يكون قد انتهى من القسم الجوّاني، لينتقل الى القسم «الوسطاني»، كما يسمى في العامية، وهو عبارة عن فسحة داخلية حرارتها معتدلة ويجلس فيها المستحم على مقعد حجري بانتظار أن يبرد جسمه استعداداً للخروج. فالبراني، أي الخارجي، وهو القسم الثالث حيث يرتاح المستحم ويتناول بعض المشروبات. تكلفة الدخول الى الحمام لهذه الفترة من الراحة لا تزيد على عشرين ألف ليرة لبنانية. وإن كان الحمام مخصصاً للرجال فإنّه يمكن في أيام محددة وعند الطلب أن يحوّل للنساء، ويستبدل العمال بالعاملات.
وعن زوّار الحمام يتذكّر أبو عبدو بحيش، العامل هنا منذ عشرين عاماً، أن «الحمام كان يستقبل جميع الناس الذين يمضون يوماً كاملاً هنا، وخصوصاً العريس الذي يأتي مع أصدقائة والزفة، أو العروس التي كانت تأتي مع العائلة والأصحاب، كما أنّ المستحمين الذين يعانون آلام المفاصل والتشنجات كانوا يزورون الحمام كثيراً للتخفيف من حدة الألم». صحيح أن مسلسل باب الحارة أعاد إلى الحمّام بعضاً من رونقه لأنه أصبح على الموضة، لكنّ العمل بات خفيفاً بالإجمال، مما يثير التخوف من أن يلاقي الحمام مصير باقي الحمّامات: معلم أثري في المدينة، لكن، ماذا لو أُدخلت زيارة الحمام في المسارات السياحية وبات الاستحمام في داخله من متطلبات النهار «الطرابلسي»؟ فالسيّاح الذين يأتون الحمام هم من يبقونه حياً لكنّ عددهم لا يكفي لازدهاره.