من يذكر يوم أغار الأمن العام على لاجئين سودانيين في بيروت، قبل نحو عام، فأهينوا وضُربوا وقيل لأحدهم «مبسوط هيك يا فحمة»؟ من يذكر المواطن التونسي النوي بن مصطفى ضو، الذي كانت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ترفض الاعتراف به لاجئاً سياسياً، قبل نحو عام أيضاً، فيما سفارة زين العابدين بن علي في لبنان ترفض تجديد جواز سفره، وتريده أن يعود إلى مسقط رأسه حتى «يُسلخ جلده عن عظمه»؟ في لبنان، البلد الذي يردد المسؤولون فيه جهاراً نهاراً أنه ليس بلد لجوء، لا تتسع الصفحات لسرد كل الحالات المأسوية المتعلقة بقضايا طالبي اللجوء فيه.


ربما لا يتذكر البعض كل تلك الحالات لكثرتها، بيد أن إمبراطورية ضخمة وعابرة للقارات، كالولايات المتحدة الأميركية، لا يفترض بها أن تنسى أياً منها وهي التي تدوّن كل صغيرة وكبيرة. لم يسمع اللبنانيون موقفاً أميركياً عن وضع السودانيين في لبنان، ولا عن التونسيين المعارضين لنظام حليفهم المخلوع، بيد أنهم سمعوا خلال الأسابيع الأخيرة مواقف تطفح بـ«الإنسانية» وحقوق الإنسان حيال النازحين السوريين إلى شمال لبنان. فجأة، يظهر على الأراضي اللبنانية الدبلوماسي الأميركي «العتيق» جيفري فيلتمان، ويسدي للمسؤولين اللبنانيين «نصائح» بضرورة إيواء النازحين السوريين، الذين «هربوا من أعمال العنف في بعض القرى والبلدات المجاورة للحدود الشمالية». بعد فيلتمان، وضع الضابط الرفيع في الجيش الأميركي، جون تشارلتون، رجليه في لبنان. راح العميد المقاتل في العراق، سابقاً، ينظّر على الجيش اللبناني، من خلال قراءته «تقارير صحافية» تحدّثت عن إعادة الأجهزة الأمنية اللبنانية بعض النازحين إلى سوريا «ضد إرادتهم». وبكلمات تحمل فعل أمر، قال: «على الحكومة اللبنانية أن تنسّق تنسيقاً وثيقاً مع المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في ما يتعلق بوضع السوريين لاجئين محتملين والامتثال لجميع الالتزامات الدولية». لم ينته عشق الإدارة الأميركية لـ«حقوق الإنسان» عند هذا الحد. فبعد تشارلتون، ها هو العقيد في الجيش الأميركي روجيه فيرتل، يقوم على رأس وفد عسكري من سفارة بلاده في لبنان، بجولة حدودية في الشمال. تنقّل بين المعابر الحدودية عند مجرى النهر الكبير وعدد من مراكز القوة الأمنية المشتركة لضبط الحدود ومراقبتها، واطّلع على أوضاع النازحين السوريين واحتياجاتهم.
طبعاً، يستحق النازحون السوريون كل اهتمام، أسوة بسواهم من النازحين في لبنان. لكن الغريب هو هذه الاستفاقة الأميركية على ما يعانيه النازحون، أو «اللاجئون المحتملون» بحسب تعبير العميد تشارلتون؟ فأميركا نفسها كانت ترفض استقبال بعض اللاجئين العراقيين، رغم دورها الأساسي في غزو العراق وهجرة شعبه، بحسب تقارير حقوقية في عامي 2006 و2007. ومن ذلك ما قاله بيل فريليك، مدير إدارة سياسة اللاجئين في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، إن العراقيين الذين يعملون لحساب القوات الأميركية «يمرون بفحوص وتحريات أمنية موسعة قبل تعيينهم لاجئين، فإن كنت إرهابيا ذكياً تستطيع أن تجد وسائل أسهل للدخول الى الولايات المتحدة».
الجواب على الاهتمام الأميركي اللافت، إلى حد الريبة، بالنازحين السوريين إلى لبنان، يمكن تفسيره من خلال ما نقلته أوساط أمنية متابعة لـ«الأخبار». تقول هذه الأوساط، إنه يجب مراقبة ما يحصل في شمال لبنان، لأن أميركا على ما يبدو «تريد استغلال مآسي النازحين، من خلال تحرك المنظمات الإنسانية كغطاء أولي لتدخل عسكري تجاه سوريا، بحيث يكون شمال لبنان قاعدة للتحرك المباشر ضد سوريا». يزيد من هذا الرأي لدى الأوساط المتابعة، الاهتمام البارز لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بقضية النازحين السوريين، حيث زارت قبل نحو أسبوع المديرة الإقليمية للمفوضية نينات كيلي وزير العدل إبراهيم نجّار، ودعت إلى «عدم ملاحقة اللاجئين الذين أتوا إلى لبنان للبحث عن ملجأ، بسبب دخولهم وإقامتهم غير الشرعية في لبنان». يُشار إلى أن المديرة، تعلم قبل غيرها، أن لبنان «ليس بلد لجوء» وأنه يتعامل مع الأجانب وفق قانون 10 تموز 1962. ويزيد الأمر غرابة، بحسب الأوساط نفسها، أن هذه «الهبّة» الإنسانية من المفوضية لم تكن كذلك حيال كل اللاجئين، وتحديداً العراقيين، الذين لطالما اشتكوا من «الذل والمماطلة من جانب الأمم المتحدة لبتّ طلباتهم». من ناحية ثانية، كان لافتاً استخدام كيلي عبارة «لاجئين» بدل «نازحين»، وهذا ما أثار استغراب وزير الشؤون الاجتماعية سليم الصايغ في حديث مع «الأخبار». وكانت وزارة الشؤون الاجتماعية قد أصدرت بياناً لافتاً، قبل أيام، ردّت فيه على بيان آخر صدر عن السفارة الأميركية في لبنان انتقدت فيه تعاطي لبنان مع النازحين السوريين. لهجة بيان الوزارة كانت مرتفعة في مخاطبة السفارة، فجاء فيه: «لا يُردّ على جهود فرق الوزارة الفاعلة والناجحة ميدانياً بإسداء النصح المتأخر»، داعياً المهتمين بهذا الشأن إلى «استقاء معلوماتهم من مصادرها قبل تعميم بياناتهم على وسائل الإعلام». وكانت السفارة الأميركية قد أعلنت في بيانها أن وفداً عسكرياً أميركياً زار الحدود شمالاً واطّلع على أوضاع النازحين السوريين، وعاد أحد الجرحى منهم في مستشفى عكار. وأضاف البيان إن الولايات المتحدة «تدعو الحكومة اللبنانية إلى العمل مع المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمات الدولية الأخرى، بما في ذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من أجل الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي لتوفير الحماية للمواطنين السوريين الفارين إلى الأراضي اللبنانية».
أخيراً، يُذكر أن لبنان لطالما تلقى انتقادات من منظمات وجمعيات حقوقية، بسبب عدم قبوله لاجئين على أراضيه، وأحياناً الزج ببعض هؤلاء في السجون. واليوم، يؤكد مسؤول قضائي رفيع لـ«الأخبار» أن عدداً قليلاً من النازحين السوريين قد أوقفوا، ولكن لا يمكن لوم القضاء في هذا الإطار لأن النيابات العامة لا يمكنها أن تتصرف إلا وفقاً للنصوص القانونية. ويختم المسؤول: «هذا شيء يعالج في التشريعات، بعيداً عن أي استغلال سياسي محلي أو دولي».




إعلام السفارة «استعراضي»

انتقد وزير الشؤون الاجتماعية، سليم الصايغ، الطريقة الإعلامية «الاستعراضية» التي اعتمدتها السفارة الأميركية حيال النازحين السوريين في شمال لبنان. ورأى الصايغ في حديث مع «الأخبار» أن المنظمات الدولية يمكنها أن تنتقد أوضاع حقوق الإنسان في بعض الدول، وتوجّه النصح أيضاً، فتقبل الدول بذلك أو لا تقبل، ولكن أن تتدخل دولة، وخاصة عندما تستقي معلوماتها من مصادر، فهذا أمر غير مقبول. وأضاف الصايغ إن ما يزعج أكثر أن الأميركيين يعلمون أنه لا حكومة حالياً في لبنان، ومع ذلك يطالبون وينظّرون، علماً بأن الوزارة تلقت تهنئة من وكيل الأمين العام للأمم المتحدة مايكل وليامز لناحية جهدها في موضوع النازحين. يرفض الصايغ وضع موقفه هذا في إطار أيديولوجي مع أميركا، فالمسألة فقط «أنني أدافع عن منطق الدولة، وضد أي تسييس لأي ملف إنساني واجتماعي». ويختم الصايغ، مشيراً إلى صعوبة تحديد أعداد النازحين السوريين، نظراً الى وجود مئات آلاف من السوريين في لبنان أصلاً، وبالتالي يصعب تحديد النازح من سواه، وخاصة أن بعضهم يتنقلون باستمرار بين لبنان وسوريا.