يصعب إيجاد مسؤول سياسي، ربما منذ قيام لبنان، لم يطالب بتعزيز سلطة القضاء. وفي الآونة الأخيرة، كثر حديث أهل السياسة عن ضرورة «تحصين» القضاة من خلال زيادة رواتبهم. هكذا، يبدو للمتابع «المغفّل» أو «حسن النية» أن تحقيق تلك المطالب ليس بيد السياسيين، وأن المقصّر ينتمي إلى جهة أخرى، فيما هي واقعاً تبدأ من عندهم وتنتهي إليهم، بحيث يصحّ فيهم قول الشاعر: «فيكَ الخصامُ وأنت الخصمُ والحكمُ».


لا ينفكّ أهل السياسة يطالبون القضاة بالنزاهة والاستقامة وعدم الاستزلام، وهم يعلمون، علم اليقين، أن رواتب القضاة «في الأرض». هم كسواهم من البشر في لبنان يعانون ضغوطاً معيشية واجتماعية ومعنوية. طبعاً، لا شيء يبرر لقاض أن يصبح مرتشياً، أو أن يصبح مرتهناً في عمله لجهة سياسية ما، لكن في المقابل يفترض بالمسؤولين زيادة رواتب هؤلاء القضاة وتحصينهم فعلاً، لا قولاً، من دون اعتبار ذلك منّة من أحد.
«القضاء سلطة، وليس مجرد وظيفة. يفترض بمجلس القضاء الأعلى أن يضرب رجله في الأرض ويقول ها أنا ذا. يجب أن يبادر القضاة أنفسهم إلى المطالبة باستقلاليتهم المعنوية والمادية، بدل أن ينتظروا ذلك من السلطات الأخرى». كلمات يقولها أحد القضاة متحسراً، قبل أن يبدي أسفه لتعاطي بعض الإعلام مع الجسم القضائي سلباً، بحيث «يجري التركيز على مساوئ بعض القضاة، بطريقة استعراضية، في مقابل تجاهل معاناة القضاة المادية والمعنوية، فربما لا يعلم البعض أن ثمة قضاة يعضّون على الجرح ولا يجدون سبيلاً للدفاع عن أنفسهم».
لطالما أثير موضوع القضاة لناحية ما لهم وما عليهم، وتحديداً في مسألة تعزيز أوضاعهم المادية، ولكن من دون حصول أي إجراء عملي. أما اليوم، فالموضوع يُثار مجدداً بعد نجاح لجنة الإدارة والعدل البرلمانية، أمس، في إقرار قانون سلسلة الرواتب للقضاة. فبعد جلسة للجنة برئاسة النائب روبير غانم وحضور مقررها النائب نوار الساحلي ووزير العدل إبراهيم نجّار، أعلن غانم إقرار الاقتراح كما ورد في سلسلة الرتب والرواتب. وفي إشارة إلى أهمية الخطوة، قال غانم: «كلنا نعلم أن هذا الموضوع ليس فقط موضوع حق بالنسبة إلى القضاة، لكن يجب اعتباره خطوة إصلاحية أولى في مجال تعزيز القضاة ونزاهتهم واستقلالهم. وقد قدمت اللجنة الى وزير العدل توصية بأن يقوم بخطوات إصلاحية أخرى من أجل تعزيز المساءلة والمحاسبة بالنسبة إلى الجسم القضائي». طبعاً، لا يعني إقرار الاقتراح أن رواتب القضاة سوف ترتفع مع بداية الشهر المقبل، إذ يبقى الموضوع رهن إحالة الاقتراح على الهيئة العامة للتصويت عليه. لكن على أي حال، فإن ما حصل يُعدّ خطوة إصلاحية «على درب الألف ميل» بحسب تعبير عضو اللجنة النائب غسان مخيبر.
مسألة أخرى أعلن النائب غانم أنه جرى إقرارها، أمس، وهي لا تقل أهمية عن مسألة الرواتب بالنسبة إلى القضاة. فبعد الاستماع إلى وزير العدل وملاحظات النواب، أقرّت لجنة الإدارة والعدل زيادة استثنائية بدرجتين لكل القضاة العاملين، وهذا يعني أن كل قاض سوف ترتفع موقعيّته درجتين، وبالتالي يمكن عندها سدّ الفراغ في بعض المحاكم والمراكز القضائيّة، وخاصة الرئيسية منها، والتي تحتاج إلى قضاة بدرجات معينة لتعيينهم فيها.
من جهته، أبدى وزير العدل إبراهيم نجار ارتياحه لإقرار القانون في لجنة الإدارة والعدل، معتبراً أن ذلك «يسهم في تحسين وضع القضاة ويمنح العاملين منهم درجتين استثنائيتين». ورأى نجّار أن تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم للقاضي «سيؤسس لمزيد من الاستقلال والشجاعة والفعالية في عمله، كما يتيح للكثيرين من أصحاب الكفاءة والعلم اختيار القضاء كمجال لائق للعمل فيه وتثمير مواهبهم». وحيّا وزير العدل المساهمين في وضع اقتراح القانون، متمنّياً للقضاة وللمتقاضين إيلاء هذا المرفق القضائي الحيوي ما يستحقه من ثقة، داعياً أجهزة الرقابة والتفتيش الى «ممارسة صلاحياتها بكل عزم واستقلال».
بدوره، لفت النائب غسان مخيبر إلى أهمية تعزيز الوضع المادي للقضاة، الذين «يجب إنصافهم وعدم ظلمهم وتحميلهم فوق طاقاتهم، ففي دول أخرى يدفع للقضاة رواتب أكثر بكثير مما يدفع لهم في لبنان، مثلاً في بريطانيا بعض القضاة ليس لرواتبهم سقف محدد، وفي اليونان تكون رواتب القضاة مرتبطة برواتب النواب، على عكس ما هو حاصل لدينا في لبنان». وأشار مخيبر إلى أن تعزيز رواتب القضاة «يمكن اعتباره مدخلاً لمطالبتهم ومساءلتهم، علماً بأن التحصين لا يكون بالمال فقط، وإن كان المال من أبرز العناوين، إلا أنها تبقى خطوة على طريق الإصلاح الصحيح، ليصبح بالتالي لدى القضاء حقاً استقلالية ونزاهة وفعالية».




رسالة إلى السياسيّين: «حلّوا عنا»

كشف أحد المتابعين للشؤون القضائية أن بعض القضاة غادروا لبنان وباشروا العمل في أماكن أخرى، وذلك نظراً إلى الضغوط المعيشية المترتبة عليهم، في مقابل تدني قيمة رواتبهم الشهرية. حصل ذلك قبل أن تقرّ لجنة الإدارة والعدل اقتراح قانون سلسلة رواتب القضاة أمس. أكثر من ذلك، بعض القضاة تركوا عملهم ولم يغادروا لبنان، بل توجّهوا للعمل في بعض مكاتب المحاماة. هذا الواقع المؤسف دفع بأحد كبار القضاة إلى دعوة السياسيين لعدم تناول القضاة إطلاقاً في أحاديثهم «لا بالمنيح ولا بالقبيح». ويضيف القاضي: «لدينا في لبنان أنزه وأصلح قضاة في العالم، ومنهم لديه قدر من النزاهة يدفعه للتوجه إلى من يفوقه خبرة والسؤال عن بعض التفاصيل القانونية، وذلك حرصاً على راحة الضمير قبل إصدار أي حكم. لكن للأسف يستمر أهل السياسة في ضرب معنوياتهم. قرفنا، يحلّوا عنّا».



بريطانيا نموذجاً

يستغرب بعض اللبنانيين كيف يُحال رؤساء وزعماء إلى القضاء المحلي في دول أجنبية، لكونهم لا يرون نماذج مماثلة في لبنان. ربما إذا عُرف السبب بطل العجب. ففي بريطانيا، وبعض الدول «التي تحترم نفسها» لا ينظر إلى القضاء كوظيفة بل كسلطة، وهناك فئة منهم تتمتع بامتيازات كبيرة، بحيث يأخذ القاضي منهم المخصصات المالية حسب حاجته ومن حساب مفتوح من دون سقف محدد. أحد القضاة اللبنانيين يشير، من منطلق اطلاعه على عمل الأجهزة القضائية في العالم، إلى أن القضاة في بعض الدول الأوروبية لا يحتاجون أصلاً إلى رواتب مادية من الدولة، فعندما يقبلون بمنصب القاضي «يؤدّون بذلك خدمة لمجتمعهم، وبالتالي لا يكون لأحد عليهم أي سطوة أو تأثير، لا على المستوى المادي ولا على المستوى السياسي».