قبل 6 أيام، هبّت نسمة أمل على أمّهات لبنانيات ينتظرن فلذات أكبادهن منذ سنين. عرفن أن الرئيس السوري أصدر عفواً عاماً عن الجرائم المرتكبة قبل 31/5/2011. منهنّ على يقين بأن أولادهنّ المفقودين «أحياء» في سوريا، ومنهن لا يعرفن إلا أنهم مفقودون منذ الحرب الأهلية بلا عنوان، ولكن في الحالتين وجد الأمل طريقه إلى قلوبهن. المؤسف، بحسب بعض الأمهات والجمعيات الأهلية المتابعة، أن ثمة سياسيين لبنانيين يستغلون هذا الملف لغايات سياسية، وتحديداً في المناسبات الشعبية، علماً بأن آثار تراب المقابر الجماعية لا تزال ربما على أيدي بعض هؤلاء.

ظن البعض أن مرسوم العفو رقم 61 الصادر عن الرئيس السوري، والذي شمل المنتمين إلى تيارات سياسية، سوف يُترجم بتشريع أبواب السجون أمام كل من فيها. بيد أن الواقع ليس كذلك، إذ تنص المادة الأولى من المرسوم على استبدال عقوبة الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة، وهذه الأخيرة تستبدل بالعقوبة لمدة 20 عاماً، أما العقوبات المؤقتة في الجنايات فيحذف نصفها، فيما تحذف كلها في الجنح. المرسوم الواقع في 6 مواد ينص على تفصيلات كثيرة أخرى، خلاصتها أن العفو جاء كاملاً في بعض الحالات ومخففاً في حالات أخرى. من ناحية ثانية، اشتُرط العفو بعدم وجود ادّعاء شخصي أو شكوى شخصية، إلا إذا أُسقط الادّعاء الشخصي حتى وإن حصل بعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية.
ما مدى استفادة اللبنانيين الموقوفين في السجون السورية؟ يلفت النائب غسان مخيبر بداية إلى ضرورة التفريق بين ملفين، بين المفقودين والموقوفين. طبعاً لا مكان للحديث عن المفقودين في ظل الحديث عن عفو، فالسلطات السورية «تنفي وجود مواطنين لبنانيين مفقودين لديها، وبالتالي هذا ملف يحتاج إلى متابعة دبلوماسية بين الدولتين، وهنا لا بد من الاعتراف بالتقصير المؤسف وغير المبرر من جانب لبنان الرسمي». ويضيف مخيبر، أما في ما يتعلق بالموقوفين في قضايا جنائية، والذين تعترف السلطات السورية بوجودهم، فيمكن الحديث عن استفادتهم من مرسوم العفو السوري، ولكن الأمر يحتاج إلى متابعة.
من جهته، لفت رئيس جمعية «سوليد» غازي عاد، إلى أن السلطات السورية تعترف بوجود نحو 100 لبناني موقوفين بقضايا جنائية لديها، لكن جرائم أغلب هؤلاء تتعلق بقضايا تهريب مخدرات، مبدياً «عتباً شديداً على السلطات اللبنانية التي لم تحاول معرفة عدد هؤلاء بدقة، علماً بأن بعض السياسيين لا يتذكرون هذا الموضوع الإنساني المحض إلا في المناسبات، فتراهم يتاجرون بأوجاع الأهالي لكسب ظهور وشعبية، وها هم بعد أكثر من أسبوع على صدور المرسوم لم يتحرك أي منهم لمعرفة ما للموقوفين اللبنانيين وما عليهم».
يُذكر أنه بعد الاطّلاع على مرسوم العفو السوري، وقراءة قانونية لبعض مواده، تبيّن أنه يستثني «جرائم الدعارة الشائنة والمخلّة بالآداب العامة، والاتجار بالمخدرات وتخريب المنشآت العامة والخاصة وإثارة أعمال الشغب والفوضى، وجرائم الاتجار بالأسلحة والسلب واستعمال السلاح». ورأى نقيب المحامين في سوريا نزار السكيف أن هذه الاستثناءات «أعطت ارتياحاً كبيراً للناس، لأن من يحاول الاتجار بالسلاح يهدف إلى قتل المواطنين وإثارة الفوضى، وينطبق هذا على الاستثناءات في الجرائم الأخرى التي تثير الرعب في قلوب المواطنين». أخيراً، يُذكر أن أغلب الموقوفين اللبنانيين في سوريا، المعترف بهم، محكوم عليهم بقضايا مخدرات ودعارة، فيما يوجد عدد آخر بجرائم سرقة وتزوير، ما يفرض على المسؤولين اللبنانيين قراءة مرسوم العفو، لمعرفة ما لمواطنيهم وما عليهم، قبل إطلاق الأحكام المسبقة.