تقترب بلدية طير حرفا (قضاء صور) من دائرة «الحلّ»، إذ تقدّم ستة من أعضائها قبل أيام باستقالاتهم منها. الستة المستقيلون، رغم أن البعض يحسَبهم على حزب الله، استقالوا بسبب «عدم التجانس بينهم وبين رئيس البلدية». وفيما يحكى حالياً عن محاولات جديدة تبذلها حركة أمل وحزب الله لحثّ الأعضاء الستة على الرجوع عن استقالاتهم، يرجّح البعض استقالة عضو سابع محسوب على أمل، ما قد يعني حلّ البلدية المؤلفة من 12 عضواً بعد فقدان نصابها القانوني.

الاضطرابات في طير حرفا استرعت انتباه الكثيرين بعد مرور عام على تجربة التوافق الأولى من نوعها في الجنوب. وهم يقدّمونها نموذجاً «لمضارّ» التوافق، وللمصير الذي قد يؤول إليه في غيرها من القرى. فالبعض يحمّل احتكار حزب الله وأمل، وتسميتهم لرؤساء وأعضاء البلديات، مسؤولية الفشل الذي حصل في قرى أخرى مثل معركة (قضاء صور)، أو عدلون (قضاء الزهراني).
مرّ العام الأول إذاً بأقلّ الأضرار، فيما تكفل الزمن بتهدئة النفوس وإعادة الأواصر التي تزعزعت ضمن البلدة والعائلة والحزب الواحد. رغم أن تداعيات النزاعات بسبب خسارة البلدية أو الاستبعاد منها لا تزال تضرب في أنحاء مختلفة. بلدة الرمادية مثلا التي خسرت فيها لائحة التوافق أمام اللائحة المدعومة من العائلات وآل الخليل، لم تعد تشهد إلقاء قنابل صوتية أو تكسير أعمدة إنارة أو عراكاً بالأيدي بين الفريقين، بل تحولت أشكال العداوة على خلفية الفوز والخسارة الى رفع شكاوى وتوقيفات وقطع طرق ونكايات متبادلة. والكل يسأل: أين الحزب والحركة من إنقاذ البلدة ومجتمعها من براثن ما سبّبه التوافق من شرخ بين عائلاتها؟ السؤال ذاته يتكرر في بلدة البيسارية (قضاء الزهراني) التي حلّ مجلسها البلدي بعد أقل من ثلاثة أيام على انتخاب الرئيس ونائبه. الحلّ لم يلحق ببلديتها فحسب، بل بشعبة الحركة فيها التي نسفها الخلاف الداخلي بين عناصرها على تسمية أسماء دون أخرى والتمرّد على قرار قيادتهم برفض التشكيلة التي اختارتها.
لكن ماذا أنجزت البلديات التي نجت من النزاعات؟
إذا اطّلعنا على خانة الأنشطة والمشاريع في سجلات بلديات قضاء صور منذ بداية العام الجاري على سبيل المثال، نجد أنها فارغة في معظمها. وإذا ما وجدت فلا تعدو افتتاح قصور بلدية في الحلوسية ويانوح وزبقين بتمويل من الكتيبة الإيطالية، وتعبيد طريق في زبقين بتمويل إيطالي أيضاً، وتكريم طلاب متفوقين في الرمادية وإطلاق حملة تشجير في شحور وشيحين وحملات نظافة هنا وهناك. فماذا تعمل بلديات التوافق؟. من جهة، تعمل في تصريف أعمال البلديات السابقة ومتابعة تنفيذ المشاريع التي كانت قد دشنتها، مثل وضع تخطيط استراتيجي لقضاء صور وتشغيل معمل عين بعال لمعالجة النفايات ومحطة البقبوق لتكرير المياه المبتذلة وإنجاز مراحل مشروع الإرث الثقافي في مدينة صور. ومن جهة ثانية، يتجه كلّ من مكتب الشؤون البلدية في حركة أمل ومديرية العمل البلدي في حزب الله إلى البدء من الصفر: تحديد مفهوم العمل البلدي وتدريب عناصره. في هذا الإطار، يفرد الطرفان مساحة واسعة لتنظيم ورش تدريب متواصلة مشتركة ومنفصلة حول الإدارة البلدية والمالية والقوانين ووضع الخطط الاستراتيجية والمشاريع وتدريب الموظفين والشرطة. من هنا، يركّز مسؤول البلديات في حزب الله في منطقة صور فؤاد حنجول على «حداثة تجربة البلديات في الجنوب التي لا تتعدى 12 عاماً، كانت قبلها ترزح تحت الاحتلال».
لكن «الإخفاق» الأبرز الذي يحمله الكثيرون للتوافق وبلدياته هو عجزه حتى الآن عن معالجة أزمات أساسية تعانيها المنطقة: النفايات، شح المياه، الصرف الصحي والتعدي على المشاعات والشكوى من بطء التنمية. فماذا حقق بروتوكول التعاون المشترك بين الحزب والحركة بما تضمّنه من خطة عمل رعائية مشتركة، في ظل الاعتداد بفوائد اللون الواحد الذي لا يعكّر صفوه طرف مناوئ؟.
في الاجتماع الأخير الذي جمع رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله السيد هاشم صفي الدين مع بلديات الحزب الواقعة في منطقة جنوبي الليطاني، تلقى هؤلاء بعض اللوم على مسؤوليتهم (الجزئية) في عدم بت إيجاد مطمر للنفايات في منطقتي صور والنبطية تمهيداً لحل الأزمة المتفاقمة فيها، إلى جانب ما يلحق بهم من وزر إزاء تفاقم ظاهرة التعدي على الأملاك العامة والبحرية وسرقة المشاعات. بالنسبة إلى النفايات، يلفت حنجول إلى «الثقافة الخاطئة لدى بعض الناس حول المطامر ومعالجة النفايات»، رغم المحاولات الحثيثة التي بذلها الحزب ونوابه لإقناعهم من دون جدوى. فضلاً عن غياب خطة متكاملة من الدولة لحل الأزمة في كل المناطق. أما المشاعات، «فقد رفعنا الغطاء وطالبنا القوى الأمنية بتوقيف المتورطين وإزالة مخالفاتهم».
من جهة ثانية، يشير المعنيون في مكتب الشؤون البلدية في أمل إلى إطلاق العديد من المشاريع المشتركة بالتعاون مع مجلس الجنوب ووزارات الدولة لحلّ أزمة المياه، بتوسيع محطتي كفرا وصديقين وصيانة محطات توزيع الكهرباء في البلدات.
سياسياً، يؤكد النائب هاني قبيسي، الذي أدار مطبخ التوافق، أن الأخير «أصعب بكثير من التنافس «إذ في الحالة الثانية كلّ فريق يعدّ عدته الخاصة ويدرك مسبقاً فرص الخسارة والربح. أما التوافق، فإنه يفتح الباب على الحسابات التفصيلية بين أفراد التنظيم الواحد، فيرفض بعضهم التشكيلة التوافقية التي لا تنسجم مع طموحاتهم «وما فيك ترضي الكلّ». لكن الظروف الحساسة والانقسام الذي كان يشهده لبنان قبل العام، دفع الحزب والحركة الى التوحد. وبعد عام، لمس الطرفان أن «للتوافق ايجابيات بالمقارنة مع مرحلة التنافس نظراً الى أجواء التفاهم السائدة التي لا تخلو من تفاوت في الآراء أحياناً، مع طغيان جو الانسجام الذي يسمح للبلديات بالمزيد من الإنتاج».
قبيسي يقرّ في الوقت ذاته بفشل تجربة بعض البلديات رغم إمكاناتها الكبيرة، إما بسبب فريق العمل أو الاشخاص، أو لاختلاف في السياسة. لكن ما يغذي هذا الفشل هو الخبرة القليلة بالعمل البلدي لدى الناس. مع ذلك، لا يتخلّى قبيسي وتنظيمه عن البلديات التي تحتاج الى الدعم السياسي في التنمية.




رغبة العائلات!

لدى سؤال طرفَي التوافق في الجنوب عن سبب إنشاء مجالس بلدية غير متجانسة، كما هي الحال في طيرحرفا، يتنصّلان من مسؤوليتهما ويرميان بها في ملعب العائلات «هي اصطفَت ممثليها إلى المجلس البلدي، الذي عكس رغبتها أيضاً، لا رغبة التوافق فقط». لكنّ الأمر مماثل في بلدة معركة، التي قدّم نائب رئيس بلديتها يوسف الحاج علي استقالته من منصبه قبل أسبوعين، إلا أن تنظيمه (أمل) «وعده بتسوية الأمور وتحسين دور البلدية وخدماتها» فعاد عن قراره، علماً بأن عضوين آخرين كانا قد استقالا قبل أشهر للأسباب ذاتها، فيما يُتوقع تسجيل ثلاث استقالات جديدة في المجلس المؤلف من خمسة عشر عضواً. وفي بلدية عدلون يطغى الشلل على أعمال المجلس البلدي بسبب فقدان الانسجام بين أعضاء اللائحة التوافقية، ما يعكس خلافات دائمة داخل الجلسات إذا عُقدت.