ابتسامة استهزاء هي أول ما يبادرك به ضباط ورتباء وأفراد في قوى الأمن الداخلي لدى سؤالك عن حال المساعدات المرضية. يرفع هؤلاء أصواتهم بالشكوى، فيسردون قصصاً تصلح لأن تكون طُرفاً يُتندر بها. أحدهم تقدم بمساعدة مرضية إثر علاج والده، قبيل زواجه بنحو شهر، وقبضها عندما كان يُسجّل ابنته في المدرسة. ذلك يعني أن أربع سنوات على الأقل مرّت قبل حصوله على قيمة المساعدة المرضية التي دفعها. رواية أخرى يضيفها ضابط آخر، فيذكر أنه قبض المساعدة الطبية بعد مرور سنتين من تقديمها. الروايات المنقولة عديدة، يلخّص أكثرها واقع معاناة يقاسيه رجال الأمن في هذا المجال.


نظام المساعدات المرضية يشمل عائلات الأفراد والرتباء والضباط في قوى الأمن الداخلي. التسلسل الروتيني لسير المعاملة يمر في مراحل عدة، أولها المركز الطبي الذي يرسلها بدوره إلى الإدارة المركزية التي تُعدّ الجداول وترسلها إلى المصلحة المالية تمهيداً لصرفها. مراحل ثلاث تمر فيها المعاملة تتطلب شهوراً وسنوات. أمدٌ طويل جداً إذا ما قورن بآلية العمل. وفي هذا السياق، يتحدّث بعض المستفيدين من رجال الأمن عن استنسابية في تسريع المعاملة.
يزعم هؤلاء أن العلاقات الشخصية تؤدي دوراً في تعجيل معاملات على حساب أخرى. فمعاملات عدد من المتقدمين تنتهي خلال شهرين، فيما تطول معاملات آخرين لتصل إلى سنة وأحياناً سنتين وأكثر.
كذلك يذكرون أن تعجيل المعاملة يتطلّب لجوء طالبي المساعدات إلى استجداء زملاء لهم في الإدارة المركزية كي يضعوا أسماءهم على الجداول، فيضطر بعضهم إلى رشوة زملاء له للإسراع في معاملاته، وإلا فلن يكون أمامه سوى الانتظار الطويل. يعزو هؤلاء سبب تأخير بتّ المعاملات إلى ضغط الملفات المحالة من المراكز الطبية على الإدارة المركزية مقارنة بعديد العاملين فيها. أضف إلى ذلك، العجز الموجود على صعيد الاعتماد المالي المخصص للمساعدات المرضية من ميزانية قوى الأمن الداخلي.
في مقابل ما يردده الأفراد والرتباء والضباط، يؤكد مسؤول أمني في المديرية العامة أن هذه الشكاوى تُعبّر عن واقع كان سائداً في ما مضى. يشير إلى أن التأخير في المساعدات الطبية وصل في بعض الأحيان إلى خمس سنوات، ويلفت إلى أن العجز وصل إلى سبعين مليار ليرة لبنانية.
لكنه «يبشر» بخطة وضعت بحضور المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، وقائد وحدة الإدارة المركزية العميد محمد قاسم وضباط آخرين منذ عدة سنوات سيبدأ قطف ثمارها عما قريب. فالتأخير الذي وصل إلى خمس سنوات في ما مضى قُلّص اليوم إلى أقل من سنة. يشير المسؤول الأمني إلى أن التأخير الباقي يشمل الفصل الأخير من سنة 2010 وسنة 2011 كلّها، لكنه يؤكد أن الاعتماد المالي لصرف المساعدات المرضية للسنتين المذكورتين موجود. ينفي ما يُسوّق عن استنسابية في جدولة أسماء المستفيدين أو تعجيل بت معاملات المساعدات المرضية، لكنه يتحدث عن استثناءات في بعض الحالات الإنسانية المستعجلة والأمراض المستديمة.
ويشدد على أن سنة 2012 ستكون السنة التي تفتح فيها صفحة جديدة على مستوى المساعدات الطبية، فالخطة الموضوعة تقضي بأن تكون جميع المعاملات المتأخرة منتهية في هذا التاريخ.
مسؤول أمني آخر أكد لـ«الأخبار» أن صفحة تأخير المساعدات المرضية «تكاد تُطوى»، عازياً إياها إلى نقص الاعتمادات المالية المخصصة للمديرية من الحكومات السابقة التي لم تكن تولي هذه المؤسسة الاهتمام اللازم. ويشير إلى «ظروف ساعدت في تقليص العجز على مستوى الميزانية، أبرزها وجود رئيس حكومة ووزير مال ومدير عام لقوى الأمن الداخلي من التيار السياسي نفسه» في حكومة الرئيس سعد الحريري، واصفاً «ما أُنجز» على مدى السنوات الماضية بأنه «نقلة نوعية على صعيد الخدمات الطبية في مؤسسة قوى الأمن الداخلي».
وسط ما يتردد عن واقع المساعدات الطبية السيئ، تبقى الكلمة الفصل للأرقام. فرغم أن الواجب يفرض ألا يكون هناك تأخير في المعاملات، إلا أن مقارنة أرقام الأمس باليوم تؤكد أن عملاً جاداً يُبذل على هذا الصعيد. ويبقى الوعد أن تطوى صفحة التأخير بحلول 2012 وتفتح صفحة جديدة... وإن غداً لناظره قريب.




لقطة

تصرف المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي لضباطها وأفرادها مبلغ 15000 ليرة لبنانية لـ«فحصية» طبيب الصحة العامة، ومبلغ 25000 ليرة إذا كان الطبيب متخصّصاً.
المبالغ المصروفة لا تتوافق مع أسعار السوق، فالاستشارة الطبية لأيّ طبيب متخصص لا تقل عن مبلغ مئة ألف ليرة لبنانية. وفي هذا السياق، لا تراعي المديرية في اعتمادها المذكور الفارق في المبلغ الذي يدفعه طالب الاستشفاء، فهي لا تعترف بغير «التسعيرة» المحددة منذ أكثر من عشر سنوات. اللّاعدالة القائمة يؤكدها مسؤول أمني لـ «الأخبار».
وأشار إلى أنّ هذه المسألة ستعالَج فور الانتهاء من إنجاز المعاملات المتأخرة مع بداية عام 2012.



المتقاعدون أكثر المستفيدين؟

يحكى أن العسكريين المتقاعدين من قوى الأمن الداخلي هم أكثر عرضةً للإجحاف من غيرهم لجهة التأخر في دفع المستحقات المالية عن المساعدات المرضية المستحقّة لهم. ويتردد أن الفترة الزمنية لدفع المساعدات لهؤلاء تستغرق سنتين، وأحياناً ثلاث سنوات. وفي السياق نفسه، يذكر أن هذه المستحقات تتعرض لحسم 25% منها لأسباب غير معروفة. في المقابل، ينفي مسؤول أمني المعلومات المذكورة عن أمد التأخير الزمني المذكور، مشيراً إلى أن الاعتناء أكثر ما يكون بالمتقدمين بالسن، باعتبار أنهم أكثر عرضة للأمراض. ويؤكد أن نسبة الـ 25% التي يتردد أنها تُحسم من قيمة المساعدات المرضية لهؤلاء حق بديهي للمتقاعدين سيقبضونه في وقت لاحق.