وُلدت الحكومة الجديدة. إنها مناسبة سعيدة، أو هكذا يُفترض. بيد أن أحداً من السجناء لم يُسمع يقول مرحى مرحى. هؤلاء، القابعون خلف القضبان في السجون عموماً، وفي نُزلهم الأشهر على هضاب رومية خصوصاً، باتوا يسخرون من كل النقاشات «الجوفاء» التي تتناول أوضاعهم الإنسانية. يشعرون بـ«القرف» (على حد تعبير أحدهم) من الجدل الدائر هذه الأيام في اللجان النيابية المختلفة، التي، رغم كل الكلام الجميل عن قوانين العفو الموعودة، لم تُقدّم إليهم بعدُ شيئاً، تارةً بسبب عدم الجدّية وأخرى نتيجة الغرق في البيروقراطية.

من هم هؤلاء السجناء، وبأيّ تهم يقبعون خلف القضبان؟ هل تُدرك السلطات، وتحديداً القضائية منها، أنها من حيث تعلم أو لا تعلم تُسهم في تحويل أشخاص عاديين، كان بالإمكان استيعابهم، إلى «طُفّار» لا همّ لهم سوى ابتداع مسالك الاحتجاب عن أعين الشرطة، بحيث يصبح كل منهم «روبن هوود» افتراضياً في نظر قومه؟
اليوم، هناك نحو 40 ألف مذكّرة توقيف في منطقة البقاع فقط. قسم كبير من هؤلاء «أبرياء حتماً» من التهم المنسوبة إليهم، إذ بمجرد أن يزجّ موقوف ما باسم شخص ما، ولو لأسباب كيدية، يصبح صاحب ذلك الاسم في نظر القوى الأمنية، ولاحقاً القضاء، مشتبهاً فيه، بل وقد تصدر في حقه أحكام غيابية أيضاً. تُسمّى هذه الآلية في القانون «العطف الجُرمي»، بحسب مقرر لجنة الإدارة والعدل النيابية النائب نوّار الساحلي، الذي يبدي تعاطفاً مع بعض هؤلاء المطلوبين.
ماذا عن العفو؟ لماذا لا يشمل السجناء والملاحقين؟ ألا تُسهم خطوة كهذه، من خلال خطة مدروسة ومتكاملة، في إعادة هؤلاء إلى حياتهم الطبيعية، وبالتالي في تخفيف نسبة الحوادث الجنائية؟ يجيب الساحلي: «في كل البلاد النامية، تصدر قوانين عفو عن السجناء والملاحقين بين حين وآخر، بينما لا نجد هذا يحصل في لبنان، حيث مضى على آخر عفو من هذا النوع نحو 15 عاماً، وطبعاً نحن نتحدث هنا عن عفو مشروط». ويوضح الساحلي في حديث مع «الأخبار» قصده بالعفو المشروط، فيقول: «في حالة لبنان، يعني أنه يجب حصول إسقاط للحق الشخصي، وهذا ما يُعرف بحق ولي الدم في حالات القتل مثلاً، قبل الاستفادة من أي عفو، أما الحق العام، فيسقط مباشرةً».
يُشار إلى أن نسبة كبيرة، ربما أكثر من النصف، من الأحكام القضائية الصادرة عن محاكم الجنايات في بيروت وجبل لبنان (على سبيل المثال) هي في قضايا مخدرات وسرقة، ومن هذه الأخيرة عدد كبير يتعلق بسرقة دراجات نارية. وعلمت «الأخبار» أن النقاشات التي دارت في اللجان النيابية عن شمول العفو قضايا المخدرات، شهدت تحفّظات من كثيرين حيال قضايا المخدرات تحديداً، لكون هذه الآفة «خطراً شاملاً على المجتمع، وعقوبتها في كثير من الدول تفوق ما هو موجود في لبنان». بخصوص هذه المسألة، يشير الساحلي إلى أنه يؤيد العفو «حتى في قضايا المخدرات، شرط أن يربط بعدم تكرار السجين لجرمه، وفي حال التكرار تفتح ملفاته القديمة ويحكم فيها كلها، على ألّا تقل العقوبة عن 15 عاماً، وهذا ما يفترض أن يكون رادعاً للشخص لناحية التكرار». في هذا السياق، يُشار إلى أن عدد مذكرات التوقيف في كل لبنان يصل الى 60 ألف مذكرة تقريباً، نحو 40 ألفاً منها في منطقة البقاع فقط، وهذه الأرقام جرى تداولها في إحدى جلسات لجنة الإدارة والعدل أخيراً.
قوانين العفو
قبل نحو شهر، تقدّم رئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية، ميشال موسى، باقتراح قانون معجّل مكرر يتعلق بالعفو عن بعض الجرائم المرتكبة قبل 31/12/2010. لم يلقَ الاقتراح قبولاً لدى لجنة العفو عن السجناء في البقاع، التي يرأسها أحمد صبحي جعفر، لكونه يستثني العقوبات المنصوص عنها في قانون المخدرات، فيما يُركّز على جنايات سرقة الدراجات النارية وبعض قضايا التزوير. يُذكر أن اقتراح موسى تضمّن تعديلاً للفقرة الثانية من المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، بحيث تشطب عبارة «ما خلا حالة المحكوم عليه سابقاً بعقوبة جنائية»، وذلك بغية عدم إطالة مدّة التوقيف الاحتياطي، الذي غالباً ما يتحوّل في السجون اللبنانية إلى «توقيف تعسفي».
يوضح جعفر أن مذكرات التوقيف البالغ عددها 40 ألفاً صادرة بحق 13906 أشخاص في البقاع، لكنها «للأسف تتضمن في كثير منها ظلماً وتجنّياً، لكون عدد المطلوبين الذين يمكن أن يحاكموا لا يتعدى 2000 شخص، أما البقية، فإن الدولة جعلت منهم فارين من وجه العدالة بمجرد ورود أسمائهم في التحقيقات». يُصرّ صبحي في حديث له مع «الأخبار» على التأكيد أن أبناء البقاع «يرفضون هذه الصورة النمطية عنهم، التي أسهمت الدولة، ويا للأسف، في ترسيخها، لكن نحن نقول وليسمعنا الجميع: هذه الصورة لا تُشرّفنا ولا تُشبهنا، وأنا اليوم أعلن تحدياً بوجه المسؤولين، فليعلّقوا الأحكام ومذكرات التوقيف في مقابل أن نُساعد الدولة على مكافحة الجريمة، ونحن نضمن النتيجة».
يلفت جعفر إلى أن لجنة العفو مكونة مع مختلف قرى البقاع ومن مختلف الطوائف، وأنها جالت أخيراً على رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، كما طلبت لقاء رئيس الحكومة السابق سعد الحريري من دون أن توفّق في ذلك. وعن موضوع المخدرات، يؤكد جعفر ضرورة أن يشمل أي قانون للعفو في هذه القضايا، المحكومين والموقوفين والملاحقين، وإلّا فلا حاجة إلى العفو. ويضيف: «التجّار الكبار الذي يُدخلون الكميات الهائلة من المخدرات إلى البلد، ويجنون منها أموالاً طائلة، هؤلاء لا توقفهم الدولة، فيما نراها مستشرسة على صغار اللاعبين، الذين يتعاطون هذه المواد ويروّجون كميات صغيرة منها بغية تحصيل قوت يومهم، فهل يُعقل أن يُحكم على أحد هؤلاء بالسَّجن 5 سنوات، فيما يحكم أصحاب الملايين من هذه التجارة بالعقوبة نفسها، أين العدل في هذا؟».
الحديث عن منطقة البقاع ومطالب أهلها، التي لا يُعارضها (أقله نظرياً) أي من المسؤولين، لا تنتهي بصفحة أو صفحتين، نظراً إلى حجم الحرمان «الممنهج» الذي تعانيه المنطقة، على حد تعبير كثير من أهلها، بيد أن مطلب العفو لا يقتصر على أبناء تلك المنطقة، إذ يُشاركهم فيه «السجناء الإسلاميون». يقول المتحدث باسم هؤلاء، الشيخ إيهاب البنّا، إن اللجان النيابية المعنية استثنت من قانون خفض العقوبات المقترح جرائم «ما يسمى الإرهاب، علماً أنه لا تعريف واضحاً للإرهاب في لبنان، بل يُستخدَم سياسياً فقط، وهنا يلحق بنا ظلم كبير». ويوضح البنّا أن عدد «السجناء الإسلاميين» يبلغ 300 تقريباً، وقد قال لنا بعض المسؤولين في الدولة إن خفض العقوبات، أو أي عفو، لن يشمل من قاتل الجيش. نحن مع العدالة، لكن هل من العدالة ترك هؤلاء الموقوفين بلا محاكمة إلى أمد غير معلوم؟».




العفو عن العملاء؟

علمت «الأخبار» أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري أحال أخيراً على اللجان النيابية اقتراح قانون للنائب أنطوان زهرا، كان قد تقدّم به بتاريخ 14/3/2009، ينص على مادّة وحيدة مفادها: «يمنح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل 27 نيسان 2005». وفي الأسباب الموجبة لهذا الاقتراح، أن «صفحة الحرب التي عصفت بلبنان لم تُطوَ على نحو يساوي بين اللبنانيين، مما جعل شريحة لا بأس بها من هذا الشعب غير قادرة على العودة إلى ربوع الوطن». يُذكر أن هذا الاقتراح كان قد أثار سجالاً سياسياً قبل أكثر من عامين، حيث رأى فيه البعض «وسيلة للعفو عن عملاء ميليشيا أنطوان لحد، أو ما كان يُعرف بجيش لبنان الجنوبي، إضافةً إلى شخصيات شاركت في الحرب الأهلية، واستمرت في التعامل مع العدو الإسرائيلي بعيد انتهاء الحرب». إلى ذلك، يؤكد المنسق بين السجناء في رومية مالك خليل، أن مطلب السجناء بالعفو «لا يشمل العمالة مع العدو الإسرائيلي، فنحن نطالب بعفو عن أشخاص حوكموا بالاتجار بالمخدرات وهم اليوم لا يملكون ثمن ربطة خبز، لا عن عملاء العدو».