عديدون هم الوزراء الذين عدّوا حقيبة الثقافة بمثابة مأساة على حياتهم السياسية. فموازنتها السنوية ضعيفة جداً، وإطارها الخدماتي المناطقي ضيق، ومشاريعها صعبة الإنشاء في بلد اعتمد منذ نهاية الحرب الأهلية مبدأ: الثقافة من الكماليات التي لا يمكن الدولة أن تتحملها. وإطار الوزارة توسّع كثيراً بعدما أُلحقت بها المديرية العامة للآثار. فلم تعد مهمّاتها تنحصر في ثقافة المواطنين، بل توسعت لتشمل هوية الوطن. فالآثار والتاريخ والتراث ترسم الهوية وتحدد شكل الانتماء الى الأرض. والدول التي تعتمد التاريخ للتأصل في أرضها تحافظ على آثارها، وتعمل على نبشها وترميمها وتأهيل مواقعها وإدراجها على اللوائح السياحية. وتسهر هذه الدول (ككل تلك التي تحيط بنا) على المحافظة على الهويات التاريخية لمدنها لتأكيد تأصلها في أرضها، وخصوصاً أن الحروب باتت على أساس الأقدمية التاريخية للحق في الوجود.

لذا، فشعور اللبنانيين بالانتماء الى وطن تاريخي يقع اليوم على كاهل وزير الثقافة، الذي يصل الى مكتبه المحاط بالمشاكل. مشاكل أساسية لهوية الوطن. من البيوت التراثية الى الحفريات الأثرية، تاريخ البلد القريب والبعيد بات بيده. فمع غياب المدير العام للآثار (بانتظار تعيينات المديرين العامين) يشغل وزير الثقافة منصب المدير العام، فيوقّع كل الاتفاقيات ويبتّ كل القرارات. صحيح أن علماء الآثار في المديرية العامة للآثار يقدمون إليه التقارير، لكن القرار النهائي يبقى له، وتوقيعه «يزين» كل الطلبات: من الهدم الى الترميم أو المحافظة... الوزير يقر بكل المعاملات. ومع تغير الواقع السياسي ودخول بيروت في دوامة العقارات المرتفعة السعر تغيّر الواقع على الأرض، وبات كل شبر أرض في العاصمة مهدداً. فمخطط تحويل بيروت الى دبي ثانية يسير بخطى واثقة منذ شرع كل من التنظيم المدني وبلدية بيروت ببناء أبراج من ثلاثين وخمسين طابقاً. فهم يرون في الأبراج الباطونية مدخلاً الى القرن الواحد والعشرين، وعبارة عن النهضة الاقتصادية. هم لا يعتبرون الهوية. بالنسبة إليهم، الهوية هي المال والقدرة على الشراء. لذا، فلكل عقار سعره، ولكل مبنى سره. وحينما تتخطى المشاريع الـ100 مليون دولار تصبح كل الطرق للحصول على إذن الهدم «محقّة ومشروعة».
وحينما ترفض الوزارة الطلب، لا يتأخر المالكون في مقاضاتها أمام مجلس شورى الدولة، الذي سمح أخيراً بهدم بيت لبناني كبير في الباشورة (راجع الأخبار عدد 1433 في 10 حزيران 2011). لذا، فإن كانت أولوية الوزير المحافظة على بيوت بيروت، فالأكثر ضرورة هو أن يطلب تقديم مراجعة ضد القرار «لمنفعة القانون»، وأن ترفع هيئة القضايا في مجلس شورى الدولة الدعوى. وبهذه الطريقة، يكون الوزير قد أقفل باب الدعاوى القانونية أمام المستثمرين، وكل من يحلم «بتنظيف» العقارات من بيوتها القديمة. ومن ثم على الوزير أن ينجز ما لم يُنجَز منذ 1999، الذي يسبب التأخير والعرقلة في كل طلبات البيوت. يجب أن يباشر تأمين المبالغ المطلوبة لإتمام الجدول الكامل والشامل لبيروت، مع تقويم دقيق لكل عقار. فمجلس الوزراء كان قد طلب هذا التقويم منذ أكثر من 10 سنين، ولم يُوافَق على موازنته، مما يحوّل مسألة كل عقار الى مأساة مع غياب المعلومات عنه. وبالطبع الخطوة الثالثة تكمن في دفع عجلة قانون حماية الأبنية الأثرية، الذي يقبع في خزائن اللجان النيابية منذ ما يقارب السنة.
وتجدر الإشارة الى أن المحافظة على بيوت بيروت تعني إبقاء بيوت لبنان التراثية. فكل ما يحاك في بيروت يُتّبع في كل المناطق، إذ إنّه إذا حافظت بيروت على هويتها، ربحت طرابلس حربها على الباطون... وإن خسرت العاصمة ضاعت بيوت المدن التاريخية والأرياف. ولأن الهوية لا تتوقف على الأحياء، سيواجه الوزير مشكلة المحافظة على المواقع الأثرية المكتشفة. وهنا تبدأ الضغوط. فكل سياسيي البلد يملكون عقارات في الوسط التجاري، والأكثرية منهم تحلم ببناء مشاريعها على حساب الآثار. فمن الزلّاقات الفينيقية المنحوتة في الصخر، الى الموقع الكامل لتاريخ بيروت في التل الأثري، الى المقابر الإسلامية في رياض الصلح... لكل موقع قصته وأهميته في عاصمة دفن تاريخها على مكب النورماندي، وحطمت أعمدتها الغرانيت لتستعمَل إسمنتاً لتعبيد الأرصفة.
هل سيحدد الوزير الجديد موقفه من هذا الصراع؟ هل سيأخذ حيز الثقافة والهوية أم سيعمل على حلول وسطية للمحافظة على أجزاء؟ الأيام القليلة المقبلة ستكون الشاهد على موقفه.