يمكن الجمعيات اللبنانية الناشطة في مناهضة التعذيب أن تعيد توزيع بيانها المشترك الذي صدر العام الماضي لمناسبة ٢٦ حزيران، الذي يصادف اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب. لا جديد تحقّق، لا في الإدارة والتشريع، ولا في الثقافة والممارسة.


التوتر الذي رافق عمل حكومة سعد الحريري الهشة واستقالتها لاحقاً، راكم مشاريع القوانين المكدسة في أدراج اللجان النيابية وأمانة مجلس الوزراء، وبرزت الى الواجهة انتفاضات السجون، ولا سيما في رومية، فيما لا تزال التقارير اللبنانية والدولية غير الرسمية تؤكد استمرار التعذيب أثناء الاحتجاز، وخصوصاً لدى شعبة المعلومات والمباحث الجنائية في قوى الأمن الداخلي، واستخبارات الجيش اللبناني، واللجان الأمنية التابعة للأحزاب اللبنانية والفصائل الفلسطينية.
لائحة الانتهاكات تطول لتشمل حالة الإفراط في استخدام القوة، التي أدت الى مقتل العديد من المدنيين، فيما ظل العاملون/ات في الخدمة المنزلية عرضةً للتمييز والإيذاء على نطاق واسع، ولم تتخذ خطوات رسمية تذكر للتحقيق في مصير آلاف الأشخاص الذين فقدوا منذ الحرب الأهلية، ما زاد من التعذيب النفسي والمعاناة المستمرة لذويهم.
انضم لبنان الى اتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من طرق المعاملة أو العقوبة القاسية أو الإنسانية أو المهينة عام ٢٠٠٠، وتلزم هذه الاتفاقية السلطات باحترام حقوق الإنسان ومنع استعمال القوة المفرطة عند ممارستها عملها، كذلك انضم الى البروتوكول الاختياري لهذه الاتفاقية عام ٢٠٠٨. ولعل النقطة المضيئة الوحيدة في تنفيذ لبنان التزاماته بناءً على هذه الاتفاقية وملحقاتها سماح السلطات في أيار عام ٢٠١٠ بزيارة «اللجنة الفرعية لمنع التعذيب» التابعة للأمم المتحدة لبنان. إلا أن تقرير هذه اللجنة بقي سرياً، فيما تقاعست بيروت عاماً آخر، عن تقديم تقرير ملزم، يبين التقدم المحرز على مستوى تطبيق بنود الاتفاقية. ورغم أن قانون أصول المحاكمات الجنائية يتضمن مواد تحدد الحقوق التي يتمتع بها كل مشتبه فيه قيد التحقيق، وأثناء مثوله أمام القضاء، يحتاج هذا القانون الى تعديلات جذرية وفقاً لما تنص عليه الاتفاقية الدولية. أما قانون العقوبات، فلا يزال قاصراً عن تغطية جميع الجرائم كما وردت في المادة الأولى من الاتفاقية الدولية، وبقيت مبادرات وزارة العدل لمراجعة قانون العقوبات وتعديله على نحو يتلاءم مع الاتفاقية، مجرد مسودات لم تسلك طريقها الى التصديق.
رئيس مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب محمد صفا أكد لـ«الأخبار» أن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ملزمة بتنفيذ التعهدات التي أعلنها لبنان، ولا سيما أمام مجلس حقوق الإنسان أثناء المراجعة الدورية الشاملة، التي جرت في تشرين الثاني الماضي. وكان وفد رسمي برئاسة المدير العام لوزارة الخارجية وليم حبيب، قد أعلن أمام الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، أن لبنان سيتخذ كل الخطوات اللازمة لتجريم التعذيب، كما أعلن أن وزارة العدل عمدت الى تأليف لجنة مهمتها وضع مشروع قانون لإنشاء الآلية الوطنية المستقلة لمنع التعذيب، تماشياً مع المادة ١٧ من البروتوكول الاختياري.
وهنا يسأل صفا: لماذا لم تؤلّف هذه الهيئة؟ ويجيب: «خطأ كبير، لا بل خطيئة، أن يُربط ملف منع التعذيب بإنشاء مؤسسة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان». ومن شأن هذه الآلية التي يجب على لبنان تأليفها منذ عام ٢٠٠٩، السماح بتنظيم زيارات دورية الى السجون للاطلاع على أوضاعها، وضمان عدم تعرض السجناء والموقوفين للتعذيب.
وتلفت منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي لعام ٢٠١١، الى أنه رغم تعهدات لبنان الدولية بتجريم التعذيب، استمر احتجاز معتقلين بمعزل عن العالم الخارجي، ولم يجرِ التحقيق في ادعاءات التعذيب، كما أن الاعترافات التي زعم أنها انتُزعت بالإكراه تقبل كأدلة في المحاكمات.
ومن الأمثلة التي توردها المنظمة في تقريرها «أنّ م. ع. ز. تعرض لضرب مبرّح خلال اعتقاله على أيدي أفراد الأمن الداخلي برداء مدني يوم ٢٤ حزيران ٢٠١٠، وأثناء احتجازه في فرع المعلومات، أُجبر مراراً على الوقوف في أوضاع مؤلمة، كما تعرض للضرب وللصعق بصدمات كهربائية على أجزاء حساسة من جسده، ونتيجة لذلك، وقّع اعترافات يعتقد أنها ستُستخدم ضده خلال المحاكمة».
بدورها تؤكد دارين الحاج مديرة الجمعية اللبنانية للتعليم والتدريب «ألف» أنه من غير المبرر أن يتأخر لبنان ثماني سنوات عن تقديم التقرير الى لجنة المعاهدات في الأمم المتحدة، وأن يتقاعس لما يزيد على ثلاث سنوات عن إنشاء الآلية الوطنية لمنع التعذيب. ومن المقرر أن تطلق «ألف» حملة وطنية تشمل إعلانات على الطرقات وكليبات تلفزيون لمناهضة التعذيب ومساندة ضحاياه.




اعتصام أمام السرايا

لمناسبة اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب ينظم مركز الخيام اعتصاماً أمام السرايا الحكومية عند الحادية عشرة من قبل ظهر الأحد المقبل. لائحة مطالب طويلة ستتضمنها المذكرة التي سترفع الى الرئيس نجيب ميقاتي، أهمها: وضع آلية زمنية محددة لتنفيذ التوصيات التي وافق عليها لبنان في مجلس حقوق الإنسان، إعادة النظر في مفهوم المؤسسة العقابية ونظام السجون في لبنان، تأليف لجنة للحقيقة والإنصاف، وضع برامج تأهيلية لعائلات المفقودين، التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، إقرار قانون تجريم العنف الأسري، إقرار الحقوق المدنية والإنسانية للاجئين الفلسطينيين، حماية العاملات في الخدمة المنزلية من التمييز الناتج من نظام الكفالة.




طائفية

تطلق الجمعية اللبنانية للتعليم والتدريب «ألف» في مؤتمر صحفي يعقد في فندق كراون بلازا، الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم تقريراً عن البعد الاجتماعي الثقافي للتعذيب في لبنان.
ويتضمن التقرير نتائج دراسة عن نظرة الرأي العام اللبناني تجاه العنف والتعذيب، تبيّن أن العنف عادة مقبولة بين اللبنانيين، وأنّ ترافُقها مع ضعف دولة القانون، يجعل من ممارسة التعذيب فعلاً مقبولاً أيضاً في المجتمع اللبناني.
في المقابل يستند تقرير أعده مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب الى طائفية المجتمع اللبناني وانعكاسها على التعذيب. ويوصي التقرير بضرورة إصدار قانون يجرّم التحريض الطائفي، وتنمية وعي المواطنة لتحرير اللبنانيين من أسوأ السجون في العالم، السجن الطائفي، المولد الأساسي للعنف والتعذيب.