شكّ وليد (اسم مستعار) في أبوّته لـ«ابنه» سهاد. سكنته الحيرة. ما عاد يعرف ماذا يفعل بهذا الطفل الذي لا يشبهه. تزاحمت الأسئلة في رأسه من دون جوابٍ شافٍ: هل هو ابني، أم ابن شخصٍ آخر؟ هل خانتني زوجتي؟ وإن تبين أنه ليس ابني، فماذا أفعل بهما؟

كاد الشك يقتله، فحاول بشتى الوسائل أخذ اعترافٍ من زوجته التي كان يشك في سلوكها، إلا أنها أنكرت خيانته. عندها لم يجد أمامه إلا حلاً واحداً، هو إجراء فحص الحمض النووي للطفل وله ولزوجته وطفليه الآخرين. بعد شهرٍ من إجراء الفحص، جاءت النتيجة: «جينات الطفل الوراثية لا تتطابق مع جينات الوالد». نتيجة كانت كفيلة بتغيير مصير عائلةٍ بكاملها، فالزوجة ترفض النتيجة، بحجة أنها لم تعرف شخصاً غيره، والزوج ما عاد قادراً على «البقاء مع امرأة طعنتني بشرفي» و«النظر في عيون طفل، أشعر بأنه عدو».
هكذا، لم يعد أمام وليد إلا الشرع، فتقدم بدعويين أمام المحكمة الشرعية السنية، أولى لتطليق «الزوجة الزانية»، والثانية لـ«إنكار» طفلٍ ولد في كنفه من طريق الزنا.
قبلت المحكمة الدعوى في الشكل، واستدعت الزوجة للتحقق من الأمر. غير أن الأخيرة نفت أمام القاضي أن تكون قد «زنت». عندها، تقدم الزوج بنتيجة الفحص، وهنا كانت «الطامة الكبرى»؛ إذ «رفضت المحكمة حتى أن تجيز لي بإجراء هذا الفحص، على اعتبار أن نتيجته لا تغير شيئاً في النسب، ما دام الحمل لم يحصل في غياب الوالد». هكذا، رفضت المحكمة إنكار النسب، مكتفية بإجراء معاملات الطلاق فقط. أما السبب، فهو أن «لنكران السبب شروطه التي لا تتحقق بظهور الحمل وولادة المولود في حالة غياب الرجل، أو في حال إثبات الزنا بأربعة شهود، وإلا تبقَ جميعها في خانة الظن». وعلاوة على ذلك، أجبرته المحكمة على دفع مهر طليقته المتفق عليه «ودفع 500 ألف ليرة لبنانية شهرياً، بدل نفقة إعالة طفلي الحقيقيين اللذين حظيت بحضانتهما وطفلها أيضاً»، وأكثر من ذلك «بقي سهاد مسجلاً على اسمي».
لا تختلف قضية وليد في شيء عن قضية حسام، وهو المصطدم أيضاً بقرار المحكمة الشرعية السنية التي لا تعترف بفحص الحمض النووي. يومها، تقدم الرجل بدعوى لإنكار أبوته للابنة البالغة من العمر 7 سنوات أمام المحكمة في إحدى دول الخليج العربي، حيث كان يقيم، إلا أن قرار المحكمة جاء ليحسم الأمر، حيث «حكمتني بنفقة شهرية للبنت؛ لكونها قاصراً وفي حضانة والدتها». غير أن هذا الرجل لم يكن ليقتنع بقرار المحكمة الشرعية السنية، وهو الشيعي، فكان أن أتى إلى لبنان، وتقدم بدعوى إبطال نسب ابنته أمام المحكمة الشرعية الجعفرية، آملاً صدور قرارٍ يطابق ما أكده العلم. لا يزال حسام ينتظر إلى الآن قرار المحكمة الذي لم يصدر بعد، على الرغم «من رفع الدعوى قبل سنتين».
لكن، ثمة مفارقة بين «شرعين»: السُّني والشيعي. يرى القاضي الشرعي الشيخ عبد الرحمن شرقية أن لـ«إنكار النسب»، الذي يسمى شرعاً بـ«اللعان»، شروطه «كأن يظهر الحمل أو يولد المولود بغياب الوالد، لكن غير ذلك ليس مقبولاً؛ لأن قول الرسول واضح عندما قال: «النسب للفراش»، أي الزوجية الصحيحة، ولا يحق لأحد أن يخرق هذه الحرمة ويشوه الثقة بين الزوجين، بغض النظر عن الفحوص التي تجرى». أما المستشار في المحكمة الجعفرية العليا، الشيخ محمد كنعان، فيلفت إلى أنه «إذا كان فحص الحمض النووي يؤدي إلى علم يقيني، فهو حجة ونعترف به». لكن، دون هذا الاعتراف شروط، منها أن المحكمة نفسها هي التي تأمر بهذا الفحص وترافقه منذ بدايته حتى صدور النتيجة للتأكد من أن لا شك موجود «ولا حتى بنسبة واحد في المئة». وهنا، لا بد من التذكير بفتاوى مأخوذة عن المرجع الإسلامي الشيعي السيد علي السيستاني، التي تعدّ الفحوص الطبية حجة شرعية مع وجود البينة. وفي ما يخص إنكار النسب في حال عدم تطابق الجينات الوراثية بين الولد والزوج، لفت المرجع إلى أنه «لا يثبت النسب ولا تجري أحكامه إلا بصيرورته أمراً بيّناً بطريق علمي لا تتخلله الاجتهادات الشخصية، فإن كان ما ذكر من الفحوص المخبرية بهذه المتابعة، جاز الحكم استناداً إلى نتائجها، وإلا فلا».
لكن هذا الفحص المشروط «لا اعتراف به»، حسب شرقية. ويشير إلى أن «الرجل إذا أقرّ بنسب ولده إقراراً أو ضمناً، فإنه لا يحق له إنكار النسب تحت أي ذريعة، ولو كان الطب الحديث يؤكد عكس ما أقرّ به». ويضيف: «في حال عدم إقرار النسب نتيجة فحص الحمض النووي، فقد تفتح فوهة بركان من الجحيم على الأسرتين. لذلك، لا نأخذ به. والعبرة من عدم الأخذ به ألّا يكون في المجتمع أولاد سفاح أو لقطاء أو مشردون لا مأوى لهم، فنزع النسب عن إنسان أصعب من سلخ جلده عن جسمه».
سواء نزع النسب أو لا، ثمة مأساة تولد وضحيتها ولد قاصر لا يعرف معنى «إنكار النسب»، وأم متهمة بـ«الزنا» ومشكك في «شرفي وكرامتي»، تقول إحدى السيدات التي تتابع دعوى «نزع نسب» ابنها عن سجل زوجها في البقاع. تستغرب تلك السيدة، التي تمنعت عن ذكر اسمها كيف يستعمل العلم لأغراض «دنيئة، لأن دعوة زوجي تطعنني بشرفي وكرامتي»، مشككة في أن «يعطي فحص الحمض النووي نتيجة نهائية لتحديد نسب النسل». الحكاية لم تنته هنا، فالزوجة التي «طعنت بشرفها» من زوجها، والتي نالت عقاباً هو الطلاق، ينتظرها اليوم عقاب أشد، إذ يهددها شقيقها بالقتل «غسلاً للعار». كل ذلك، جعلها «مضطرة إلى العيش بعيداً عن عائلتي والعمل في إحدى المؤسسات التجارية لتحصيل قوتي».




الآباء والحصرم

«الآباء يأكلون الحصرم والأولاد يضرسون». بهذه العبارة، لخص المحامي محمد أبو حمدان ما يمكن أن تسببه نتائج هذه القضايا على الأولاد المطعون بنسبهم، في ضوء الآراء الفقهية وإمكان تعارضها مع الفحوص التي تكون نتائجها سلبية. ومن باب الإنصاف، يدعو أبو حمدان إلى «بحث معمق يخلص إلى وضع قاعدة واضحة تضع حلاً شاملاً وكاملاً ومنسجماً مع روح الشريعة والبيّنة العلمية، وصولاً إلى إعطاء كل ذي حق حقه». دعوة أخرى وجهها أبو حمدان إلى الشرع الذي لا يعترف بهذه الفحوص، مطالباً إياه بالوصول إلى حل واضح يعطي «الولد حقه بمعرفة والده الحقيقي ويفرض على الوالد واجب الاعتراف بولده»، وإلا؟ فبقاء الحل على ما هو عليه من عدم الاعتراف يتعارض مع قاعدة شرعية إسلامية أخرى تقول إنه «لا تبني في الإسلام».