للصيف نكهة خاصة في صور. فهنا، عند شواطئ بحرها الهادئ، تحلو «الجمعة على لقمة سمك»، إذ أنه من الصعب المرور بتلك المدينة من دون تناول وجبة «بحرية».

هكذا تتحول شواطئ صور في أيام الصيف، وخصوصاً أيام العطل الأسبوعية، إلى ما يشبه ساحة للتظاهر، حيث يجتمع آلاف الأشخاص من داخل المنطقة وخارجها، متسابقين لحجز مكانٍ لهم في مطاعمها. ولعل هذه التظاهرة سببها الأساس وجبات البحر الطازجة التي تشتهر بها المدينة.
في السنوات الاخيرة، انتشرت عشرات المطاعم والمقاهي التي تقدم السمك الصوري الطازج بكل أنواعه. وهؤلاء أقدر على توفير هذه الخدمة، خصوصاً أن مطاعمهم تتجاور مع ميناء الصيادين ويزنرها البحر من جميع الجهات. هذا المشهد لا يقتصر عند حدود الاستثمار التجاري للثروة السمكية في صور، بل إن السمك هنا «داخل في حياة الناس اليومية»، يقول أبو عباس قصاب، ابن المدينة.
جولة واحدة في أرجاء القسم القديم في صور قد تكون كافية للتدليل على هذا الأمر. ففي أحد أزقة السوق القديم، يقع سوق بيع السمك بالمزاد. كميات من الأسماك، متنوعة الأحجام والألوان، حولت السوق إلى معرض دائم للحياة البحرية. يؤكد البائعون والتجار هناك أن «تلك الكميات كانت لا تزال تسبح في الماء قبل وقت قصير» في إشارة إلى أنها «طازجة وبنت هالبحر»، يقول قصاب. على مقربة من السوق، تنتشر عدة مسامك، تصرّ على الاشارة في يافطاتها الى أنها تبيع السمك الصوري الطازج، كأنه «ماركة مسجلة». تبتعد أمتاراً قليلة عن «صف المسامك»، فتصبح في ميناء الصيادين الذي يجاوره المرفأ التجاري. في الميناء، يرسو حوالى 185 مركباً يستفيد منها 550 صياداً بحسب لوائح نقابة الصيادين.
يخرج هؤلاء ليلاً، وعند العاشرة من صباح اليوم التالي، تبدأ طلائعهم بالعودة إلى الميناء بعد الجولة البحرية الطويلة والصاخبة. ثمة صفة مشتركة بين الوجوه التي يغلب عليها التعب والنعاس، وهي «عدم الرضا»، فهم لا يشبهون أصحاب المقاهي ولا حتى المسامك. يعرفون البحر جيداً وما فيه. لكن، لم هذا الشعور؟ يجيب قصاب «البحر صار بخيلاً جداً في صور، وما عاد الصياد يصطاد أكثر من 3 كيلوغرامات يومياً، وأحياناً كل من يخرجون من الميناء لا يصطادون أكثر من 10 كيلوغرامات في اليوم». لكن، ثمة ما هو أسوأ من المحصول الضئيل، فالنوعية أيضاً «رديئة». ويشرح الرجل «السكان الأصليون انقرضوا، يعني أسماك السلطان ابراهيم واللقز والسرغيس والمرمور والفرّيدي والبلاميدا والغزال أبو سن والكركند والزرزور والزليق التي كانت متوافرة بالأطنان، إما انقرضت تماماً أو هي على الطريق». يضيف. ولثمار البحر حكاية أخرى، فغالبيتها «انقرض تماماً منذ 15 عاماً مثل التوتيا والخيوليا والبطلينس والإسفنج والصدف». ولعل الأسوأ، أن أسماك الدلفين التي كانت تظهر بين الحين والآخر، والتي يشكل وجودها «دليل خير وصحة الحياة البحرية»، هي الأخرى انقرضت. وبحسب نقيب الصيادين خليل طه، الأمر يعود إلى «تلوث البحر الناجم عن تصريف المياه المبتذلة لمنطقة صور من دون اخضاعها للتكرير، إلى جانب الصيد العشوائي بالديناميت والجاروفة والغرغاري (الجاروفة الليلية) والبارودة والأضواء القوية». وكان تسونامي العام 2004 دفع بسمك النفيخة السامة إلى شواطئ البحر المتوسط، وهي تفترس الأسماك الأخرى وتؤدي إلى تسمم وموت من يتناولها.
وإذا كان حال البحر «مهترئاً»، يقول طه، فحال أهله ليست أفضل. فطه وقصاب ورفاقهما من الصيادين المخضرمين الذين ورثوا المهنة عن أجدادهم، يشكون ضيق الحال، بعدما كان «العز للسمك في صور، باتت مصدراً للذل».
لكن، قبل أن تتحول مصدراً للذل، كانت «تطعمي عيل»، يقول طه. ويعطي مثالاً عن والده الذي لم تعرف له مهنة إلا الصيد على مركب صغير وبالوسائل البدائية. يقول «كان يعيش بمستوى جيد برغم انه كان رب أسرة مؤلفة من عشرة أطفال». الآن، لا يستطيع الإبن من بعده الإعتماد على البحر لإعالة الأسرة الصغيرة «خصوصاً في ظل نقص الدعم من قبل وزارة الزراعة لهذا القطاع، فضلاً عن أن لا ضمان اجتماعياً لنا ولعائلاتنا»، يتابع طه.
لكن، هذا الواقع السلبي لا ينعكس على المقاهي التي تستقطب السياح من صور ومن خارجها، وإن كانت أسعار الوجبات في بعضها باهظة الثمن. ومن لا يقدر على أسعارها، يهرب بصنارته إلى سنسول الميناء لاصطياد ما يسعفهم عليه الحظ.