تغيرت النظرة العالمية إلى حفريات بيروت. فبين تسعينيات القرن الماضي واليوم فرق شاسع في تلك النظرة، انتقلت خلالها من السلبية المطلقة إلى الإيجابية. مقارنة بسيطة بين مقالات الأمس عن الحفريات ومقالات اليوم قد تظهّر هذا الواقع المنقلب رأساً على عقب. ففي الفترة الأولى، كانت المجلات العالمية المتخصصة مثل أركيولوجيا الفرنسية وأريكيولوجي الاميركية تكتب لإطلاع الرأي العام العالمي على «التدمير اللاحق» بالآثار في بيروت، وللحديث عن حفريات عشوائية تجتاح العاصمة وترمي بآثارها في البحر. أما اليوم، فقد تغير كل شيء. وقد تكون مقالة الكاتب الأميركي أندرو لولور في مجلة أريكيولوجي الأميركية، التي حملت عنوان «إعادة إعمار بيروت»، هي إحدى الإشارات إلى الإيجابية تجاه الأعمال التي تقوم بها فرق لبنانية «قررت أن تأخذ مصير آثارها بيدها»، بحسب تعبير أسعد سيف، المسؤول عن الحفريات الأثرية في المديرية العامة للآثار. أندرو لولور، الصحافي الأميركي المتخصص في موضوعات الآثار في العالم، لم يترك مكاناً أثرياً يفلت من بين يديه، فجاب باحثاً عنها في أفغانستان وأوزبكستان والعراق والأردن وسوريا وإيران. في جولاته تلك، يقوم لولور بدورين: تأريخ الاكتشافات من جهة، وتأريخ التدمير اللاحق بالآثار من الجهة الأخرى. عينه الثاقبة وقلمه الحر حوّلاه إلى صحافي معتمد لمجلات عالمية مثل السثميثونيان والناشيونال جيوغرافيك. في مقالته عن بيروت، كانت عين لولور ثاقبة، فوثقت على نحو إيجابي عمل فريق لبناني ينجز حفريات أثرية في أرجاء العاصمة منذ أكثر من 6 سنوات. في ما يلي ترجمة لبعض مقاطع تلك المقالة التي يبدأها لولور باختصار حال بيروت اليوم. ويقول «حينما تعود بيروت لتخترع نفسها هذه المرة كناطحات سحاب مرصعة بمراكز أموال، يناضل جيل جديد من علماء الآثار اللبنانيين للوصول إلى تاريخ المدينة المعقد قبل أن يختفي بحق».

من الخلاصة، يدخل لولور في التفاصيل، قائلاً «في العقد الماضي، وفي خضم إعادة الإعمار، أزيلت معالم أثرية رومانية بالجرافات وحوّلت أعمدتها إلى إسمنت للبناء، فيما رميت أكوام أخرى من الآثار في مكبات النفايات». يضيف: «لهذا، يحاول اليوم جيش صغير من 50 متخصصاً بالحفريات الأثرية ومئات العمال أن يسابقوا بناء الشقق الفخمة وأبراج المكاتب التي تهدد بمحو ما بقي من آثار بيروت. لم يعودوا يتكلون على علماء الآثار الأجانب الذين احتلوا سابقاً ساحة علم الآثار، فهذا الفريق يصوغ الاتفاقيات مع المقاولين لإتمام حفريات إنقاذ واسعة المدى، كما يدعو إلى تطبيق قوانين حماية المواقع الأثرية، ويلاحق مشاريع البناء الجديدة ويفاوض المقاولين لدفع تكاليف حفريات الإنقاذ التي ستتم على العقار، مع تحديد فترة زمنية من المفترض أن تنتهي خلالها الحفريات الأثرية».
ولئن كان لولور يعرف «من تاريخ بيروت ومضات سريعة عن كل الحقب من دون أي تسلسل زمني واضح بالمعالم»، إلا أن هذا لم يمنعه من سرد تاريخ العاصمة منذ بداية السكن فيها في القرية المكتشفة حديثاً قرب طريق المطار حتى نهاية الحرب الأهلية، محدداً في كل فترة الشخصيات التاريخية التي عاشت فيها وأهم المكتشفات التي تعود إليها. ويتوقف عند الفترة الرومانية ومدرسة الحقوق، وهي المدرسة التي بحث عنها كل علماء الآثار في بيروت وحاولوا تحديد مكانها دون التوصل إلى ذلك، لكن يبدو أن هناك تحليلاً جديداً لدور الحائط الروماني الضخم الذي اكتشف في ساحة رياض الصلح. وهنا يعلّق لولور بالقول «لو جرى التأكد أن هذا الحائط دفاعي لكان ذلك مفاجأة كبرى، ويمكن أن يكون أيضاً جزءاً من مبنى ضخم اكتشف فيه تمثال صغير لإيزوكراتس، العالم اليوناني البليغ الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، والذي كان المشرّعون الرومان يحترمونه كثيراً». وينقل عن سيف قوله إنه «من المستغرب وضع تمثال لشخص كهذا في بيت، لذا يمكن ـــــ وانا حذر جداً ـــــ أن يكون هناك صلة بين هذا الجدار الضخم ومبنى مدرسة الحقوق».
بيد أن اكتشاف الإسطبل البيزنطي الذي دمر ودفنت تحته حمير وجمال، هو من أكثر الاكتشافات التي لفتت نظر لولور، فقد وثقها في مقالته بتفاصيلها كـ«انحناءة رؤوس الحيوانات التي فاجأها انهيار المبنى الذي عثر علماء الآثار في ارضه على قطعة نقدية طبعت في القسطنطينية سنة 503 ميلادية». ويسأل: «هل يعني هذا أن هذا الدمار كان بسبب الزلزال الذي ضرب بيروت سنة 551؟». قد يعطي هذا الاكتشاف مادة جديدة لعلماء الآثار لفهم ضخامة هذه الكارثة التي لم تذكر إلا في المراجع المكتوبة من دون دليل حسي عنها.
أما الثوابت في بيروت، فهي الطرقات، حيث لا يزال يعمل بالتخطيط الهلنستي للمدينة (400 قبل الميلاد)، وقد أبرزت الحفريات أن المهندسين الرومان عبّدوا ورصوا نفس الطرق التي تُستعمل من القرن التاسع عشر حتى اليوم.