قرّرت دائرة الاستئناف في المحكمة الخاصة بلبنان قبول الطعن الذي تقدّم به اللواء الركن جميل السيد بقرار قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين الصادر في 12 أيار الفائت، والذي قضى بتسليمه بعض المستندات التي طلبها، باستثناء المراسلات بين الدولة اللبنانية ولجنة التحقيق الدولية المستقلة، والمذكرات الداخلية لتلك اللجنة، وملاحظات المحققين فيها. على محكمة الاستئناف، التي يترأسها القاضي أنطونيو كاسيزي، أن تعمل وفق أعلى المعايير الدولية في مجال العدالة الجنائية التي تفرض تسليم السيّد جميع المستندات التي يحتاج إليها لملاحقة المسؤولين عن اعتقاله التعسّفي لنحو أربع سنوات.


ومن بين تلك المستندات مراسلات بين رئيسي لجنة التحقيق الدولية المتتاليين سيرج براميرتس ودانيال بلمار والمدعي العام لدى محكمة التمييز القاضي سعيد ميرزا في شأن استمرار احتجاز الضباط الأربعة (اللواء الركن السيد، اللواء علي الحاج، العميد مصطفى حمدان، والعميد ريمون عازار). وكانت تقارير لجنة التحقيق إلى الأمين العام للأمم المتحدة قد أشارت إلى وجود تلك المراسلات من دون أن تفصح عن مضمونها. القاضي ميرزا طالما كرّر أن اعتقال الضباط الأربعة جاء وفقاً للشروط القانونية اللبنانية، غير أنه ربما تناسى أن القضية اليوم أحيلت على محكمة يفترض أن تعمل وفق المبادئ الحقوقية الدولية التي لا يمكن، رغم كلّ محاولات التلاعب المحتملة، أن تكون عقبة أمام احتكام شخص اعتقل نحو أربع سنوات على أساس معلومات عدّها القاضي فرانسين «ناقصة الصدقية» (في نصّ قراره الصادر في 29 نيسان 2009) إلى القضاء بهدف ملاحقة مسببي اعتقاله لأسباب بدت يومها سياسية.
وجاء في ملخّص الحكم الصادر: «إن غرفة الاستئناف تعدّ طلب السيد، بحسب القانون الدولي، بحصوله على المستندات مبنياً على (1) حقّ الوصول إلى العدالة، و(2) حقّ الوصول إلى المعلومات التي تحتفظ بها السلطات الحاكمة». هذا لا يعني أن على المحكمة تسليم مستندات تفشي سرية التحقيق وتهدد سلامة الشهود والأمن المحلي والدولي، ويفترض بالتالي أن يتأكد القاضي من ذلك قبل التسليم. لكن لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن نصّ الحكم الصادر أمس عن غرفة الاستئناف ذكر بوضوح أن السيد «لا يعترض على حسم قاضي الإجراءات التمهيدية بأن حقّه في الوصول إلى المعلومات ليس حقاً مطلقاً، لكنه يطالب بأن يتمّ تحديد موانع التسليم بحسب كلّ مستند على حدة» (الفقرة 5 صفحة 6). وهو حقّ بديهي اعترض عليه المدعي العام دانيال بلمار.
اعتراضات بلمار وسعيه إلى منع السيد من ملاحقة مسببي اعتقاله تعسّفاً لنحو أربع سنوات كانا قد دفعاه إلى الطعن بحكم صدر عن القاضي فرانسين في 17 أيلول 2010 حسم فيه أن طلبات السيد من اختصاص المحكمة القانوني. وعلى الرغم من ردّ غرفة الاستئناف هذا الطعن في 10 تشرين الثاني 2010، طوّر بلمار أساليب سعيه لمنع وصول السيد إلى العدالة عبر المماطلة في تنفيذ الأحكام الصادرة عن القاضي فرانسين، وعبر تسريب معلومات عن المستندات التي طلبها السيد إلى أشخاص وردت أسماؤهم في تلك المستندات، بهدف دفعهم إلى الاعتراض على التسليم بحجج أمنية.
«إن اعتقال السيد لمدة طويلة، واعتراف المدعي العام بذلك، يبين الاحتمال الحقيقي لضرورة الوصول إلى المعلومات المطلوبة في هذه القضية، وذلك تجنّباً للظلم» كما ورد في ملخّص الحكم الذي يتألف من 41 صفحة. وأوضح الحكم أن وصول السيد إلى المعلومات التي يطلبها مسموح إذا كان يريد استخدام تلك المعلومات في ملاحقات قضائية أمام محاكم أخرى «كما أكد السيد في مذكراته إلى المحكمة» الدولية.
«على الرغم من أن القضية تخرج عن إطار قواعد الإجراءات والإثبات الخاصة بالمحكمة، فإن هذه القواعد هي دليل لتحليلات غرفة الاستئناف». وجاء في نصّ المادة 111 من قواعد الإجراءات والإثبات أنه «لا يجوز الكشف عن التقارير والمذكرات أو أية وثائق أخرى داخلية أعدّها أحد الفريقين أو مساعديهما أو ممثليهما وتتعلق بالتحقيق أو بإعداد الدعوى ولا يجوز تبليغها. ويشمل ذلك، بالنسبة إلى المدعي العام، التقارير والمذكرات أو أية وثائق أخرى داخلية أعدتها لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة أو مساعديها أو ممثليها في إطار تحقيقاتها».
ورغم موافقة قضاة غرفة الاستئناف على أن المادة 111 يفترض أن تطبّق على المراسلات بين الدولة اللبنانية ولجنة التحقيق الدولية المستقلة، والمذكرات الداخلية لتلك اللجنة، وملاحظات المحققين فيها، «لكن التحديد المناسب لتلك الاستثناءات يعتمد على التصنيف الصحيح للمستندات الفردية. إن التصنيف المناسب لا يستند إلى عنوان المستند، بل إلى مضمونه، ووظيفته ومصدره».
وختم نصّ الملخص بالآتي: «بعد اطلاعها على عينة من المستندات، تبين لمحكمة الاستئناف احتمال وجود أخطاء في التصنيف. وبالتالي تعيد المحكمة إحالة المستندات على قاضي الإجراءات التمهيدية مرفقة بتوجيهات للتأكد من تصنيفها المناسب والدقيق». يستوجب ذلك مراجعة دقيقة لعشرات المستندات التي طلبها السيد، فهل يحصل ذلك بنحو سليم يؤدي إلى كشف المراسلات بين بلمار وميرزا، على اعتبار أنها غير مشمولة بالمادة 111 من قواعد الإجراءات والإثبات؟

أفلام للمتضررين

عممت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أمس كذلك، شريط فيديو نشرته وحدة المتضررين المشاركين في الإجراءات، تدعو فيه المتضرّرين إلى المشاركة في العملية القضائية. ويبيّن الشريط كيف يتقدم المتضرّرون في اعتداء 14 شباط 2005 بطلبات للمشاركة في الإجراءات القضائية. «هذه المرحلة تلي قيام قاضي الإجراءات التمهيدية، في 28 حزيران، بتصديق قرار اتهام. ويصبح مقدمو الطلبات من الأطراف الرئيسة في إجراءات المحكمة حالما تسمح لهم المحكمة بالمشاركة في تلك الإجراءات. ويمكن المتضرّرين القيام، من خلال محاميهم وشرط موافقة القضاة، بتقديم الأدلّة، ودعوة الشهود واستجوابهم، وإيداع الطلبات». يذكر أن شريط الفيديو متاح على الموقع الإلكتروني الخاص بالمحكمة www.stl-tsl.org.