لم يكذب محمد هـ. في الترويج بأنه طبيب نفسي متخرج من جامعات فرنسا وله سنوات من الخبرة في مصحاتها العلاجية، إلا أنه كذب على المستوى المحلي في إعلانه أنه منتسب الى نقابة الأطباء ومتعاقد مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. محكمة صور الجزائية كشفت كذب ادعاءات محمد وحاكمته، فمن يكشف تجاوزات أمثاله من الأطباء المنتسبين وغير المنتسبين الى الجامعات والمستشفيات وصندوق الضمان؟ أول الخيط حرّكته هنية م. التي قصدت محمد لتتلقى على يديه علاجاً نفسياً لأنه، كما يعلن في اللافتة المعلقة على باب عيادته في مدينة صور، طبيب نفسي، ورئيس مركز العلاجات النفسية. وبعد خضوعها لعدد من الجلسات، نظم لها وصفة طبية ممهورة بختمه وتوقيعه: الدكتور محمد هـ. أعصاب ونفسي. وحررت الوصفة على ورقة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي ادعى محمد بأنه متعاقد معه.

حملت هنية الوصفة لتقديمها الى مكتب الصندوق في صور لاستيفاء قيمتها. ولدى اطّلاع رئيس المكتب عليها، ساوره الشك في ما اذا كان محمد متعاقداً مع الصندوق. فما كان منه الا أن حوّل المعاملة الى الطبيب المراقب، الذي اتصل بأمانة سر المراقبة الطبية في بيروت، وتأكد أن الطبيب المذكور ليس متعاقداً. وضمن سلسلة التحقيقات التي أُجريت لتبيان قانونية ممارسة محمد لمهنة الطب، تبين أنه ليس منتسباً الى نقابة الأطباء أيضاً.
وبعد التأكد من أن محمد يمارس مهنة «العلاج النفسي» في عيادته الواقعة على بعد أمتار من مكتب الصندوق في صور بصورة غير قانونية، تقدم الصندوق بشكوى ضده أمام النيابة العامة الاستئنافية في الجنوب بتاريخ 22 ايار من عام 2007. وأُحيلت الشكوى بناءً على إشارة النيابة الى مكتب مكافحة الجرائم المالية وتبييض الأموال للتحقيق في مضمونها. من دون أن يتمكن رجال المكتب من الاستماع اليه، أو حتى تنفيذ إشارة النيابة العامة الاستئنافية القاضية بإحضاره. وقد عمم بلاغ بحث وتحر بحقه، لكن، أيضاً، من دون أن يتمكن رجال الضابطة العدلية من تنفيذه. وفي المحاكمة العلنية، تخلف كل من المدعي، أي الصندوق الوطني، والمدّعى عليه عن الحضور وعن التمثل بواسطة وكيل قانوني، فجرت المحاكمة غيابياً. وقضى الحكم الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في صور بلال بدر بإدانة محمد بجنحة المادة 655 من قانون العقوبات بسبب توسله المناورات الاحتيالية للاستيلاء على أموال هنية، عبر إيهامها بأنه طبيب متعاقد مع الصندوق، وبحبسه مدة سنة ونصف سنة وتغريمه مبلغ خمسمئة الف ليرة سنداً لتلك المادة، كما، بإدانته بجنحة المادة 393 من القانون ذاته بسبب إقدامه على مزاولة مهنة الطب من دون وجه حق، وبحبسه ستة أشهر وتغريمه أربعمئة الف ليرة. وبإدغام العقوبتين المحكوم بهما، بحيث لا تنفّذ بحقه سوى العقوبة الأشد.
واللافت، أنه على رغم ما يعانيه المدعي، أي الصندوق، من صعوبات مالية، لم يمثل محاميه في أيّ من جلسات المحاكمة للمطالبة بحقوق موكله، الأمر الذي أدى بالمحكمة الى عدم الحكم له بأية تعويضات.