في 8 كانون الثاني من العام الماضي، رفعت «الأخبار» للرأي العام شكوى أسرة آمنة بيضون (20 عاماً) التي اتهمت فيها زوجها معين (39 عاماً) بقتلها في 3 تشرين الثاني 2009، في دولة موزامبيق الأفريقية. حدث ذلك بعد ثلاثة أشهر من زواجهما، ومغادرتها معه إلى هناك، حيث يقيم ويعمل. قانونياً، كان قرار قاضي التحقيق الأول في الجنوب منيف بركات الظني، في 21 نيسان من العام الماضي، بداية الرحلة، إذ طلب الإعدام للمدعى عليه بتهمة قتل زوجته عمداً، استناداً إلى المادة 549 من قانون العقوبات. وبعد عام واحد، في 14 نيسان الفائت، أصدرت الهيئة الاتهامية برئاسة القاضي خضر زنهور مضبطة الاتهام، مؤكدةً فيها الوقائع الواردة في القرار الظني، إلا أنها اتهمت معين بجرم المادة 550 من القانون ذاته، مطالبة بإصدار مذكرة توقيف بحقه وسوقه أمام محكمة الجنايات لمحاكمته. كان معين حينها موقوفاً منذ 11 كانون الأول 2009، أي تاريخ عودته إلى لبنان. لكن اللافت في القضية، أن المتهم أخلي سبيله من مكان توقيفه في سجن تبنين في 12 تموز من الشهر الجاري بكفالة مالية قدرها مليونا ليرة. فما الذي حصل؟ وخصوصاً أن القضاء كان حتى قبل إصدار القرارين الظني والاتهامي يردّ طلبات إخلاء السبيل؟

تفيد مضبطة الاتهام المستندة إلى القرار الظني، بأن معين «كان يتلذذ بضرب زوجته وتعذيبها جسدياً ويضربها بصورة مستمرة». ولدى نقلها الى المستشفى يوم وفاتها، كانت آثار الضرب ظاهرة على رأسها وجبينها وكان وجههاً متورماً، بحسب ما أفاد شقيق المتهم عبد الأمير، فيما أشار ابنه، حسين، إلى ان الدم كان يخرج من فمها. الوالد وابنه أفادا في شهادتيهما بأن معين كان «سادياً يتلذذ بتعذيب زوجاته»، (الأولى اللبنانية أحلام التي طلبت الطلاق بعد أقل من عام على زواجهما، والثانية تنزانية انفصلت عنه أيضاً وله منها خمسة أولاد، أما الثالثة فهي آمنة). كان الشاهدان «يلاحظان دائماً آثار التعذيب عليها». ووفقاً للتقرير الصادر عن مستشفى مابوتو المركزي، فإن الفحص الخارجي لجثة آمنة أظهر تجويفاً من الناحيتين اليمنى واليسرى في الرأس ورغوة بيضاء خارجة من الأنف والفم، وكدمات قديمة وجديدة في الصدر والبطن والركبتين واليدين والخصرين. التقرير يشير الى رفض العائلة تشريح الجثة، ظناً منهم أنه «يخالف الشرع»، ويحدد سبب الوفاة بتناول 14 قرصاً من دواء «كو ديورين 80» الخاص بمرض الضغط، ما أدى الى مرض رئوي يسمى (أوديما)، دفعت تلك المعطيات الطبيب الشرعي الى اعتبار موتها «عملية انتحار». مع ذلك، يذكر متابعون أن المتوفاة كانت ضحية «سوء معالجة».
من جهته، أفاد معين بأنه علم بـ«مرض آمنة يوم وفاتها، فتوجه الى المنزل ليجدها فاقدة للوعي، وعمل على انعاشها من دون نتيجة». وأكد أن زوجته «انتحرت بدواء الضغط خاصته، بعدما أخبرها بأنه سيطلّقها لعدم وجود انسجام بينهما»، مشيراً إلى أنها قبل ثمانية أيام كانت قد تناولت أقراصاً كثيرة من «البنادول». وعزا فراره الى تنزانيا بدلاً من مرافقة الجثمان الى لبنان الى «تهديد أهلها له واتهامه بقتلها»، فيما أفاد شقيقه عبد الأمير بأنه «هرب خوفاً من اعتقاله، لأن القانون الموزامبيقي يمنع ضرب الزوجات ويحدد عقوبة القتل بالإعدام». أما في لبنان، فلم تخضع الجثة للتشريح، خصوصاً أنها كانت قد تحللت بسبب تحنيطها لمدة 5 أيام فقط، فيما استغرق وصولها الى لبنان 7 أيام. وأفاد التقرير المقتضب للطبيب الشرعي أحمد ضاهر بأن الكشف السريري للجثة المتحللة والصورة الشعاعية للجمجمة لا يظهران وجود عنف: سبب الوفاة قصور في عمل الرئتين.
رغم ذلك، أكدت مضبطة الاتهام أن معين «كان يتعرض لزوجته بالضرب الذي كانت آثاره بادية على جثتها»، كما شهدت زوجته الأولى أحلام بـ «سوء معاملته لها». وعن فرضية انتحارها بتناول كمية من الدواء، اعتبرت ذلك «معلومات عائلية ليست مبنية على أسس علمية، في مقابل الآثار التي تؤكد تعرضها للضرب»، فيما توقفت عند تحنيط الجثة أقل من المدة المطلوبة «ما يؤدي الى تحللها». كذلك، لفتت المضبطة الى فرار معين من موزامبيق وتكليفه ابن خالته مواكبة نقل الجثمان «ما يظهر أنه كان خائفاً».
إزاء ذلك، خلصت الهيئة الى أن سبب وفاة آمنة هو التعذيب والضرب الذي تعرضت له بدافع ساديته، لا بنية القتل العمد. مع ذلك، طبقت على جرمه عقوبة المادة 550 من قانون العقوبات وحوّلت قضيته الى محكمة الجنايات. واللافت أن القرار الصادر في 14 نيسان الفائت يؤكد أن جرمه يقتضي رد إخلاء السبيل الذي قدمه، فكيف أخلت المحكمة سبيله بعد أقل من شهرين؟
المحامية منى السمرة، وكيلة الدفاع عن معين، مصرّة على أن موكلها «بريء من دم زوجته التي انتحرت». وتقول إن آمنة «كانت تعاني من أزمات قبل اقترانها بمعين، وحاولت قبله وبعده الانتحار». وتمسكت بـ«تقرير الطبيب الشرعي في لبنان».
معين لن يغادر لبنان، برغم أن المحكمة لم تضعه قيد الإقامة الجبرية خلال المحاكمة، «يصر على إثبات براءته من دم زوجته وينتظر بفارغ الصبر الجلسة المقبلة». وحتى ذلك الحين، دماء آمنة لا تزال أمام القضاء، وبرسم الحملات المؤيدة والرافضة لإقرار قانون حماية المرأة من العنف الأسري، تماماً كالدماء على الثياب التي كانت ترتديها يوم وفاتها ... والتي «تمكّنت أسرتها من استعادتها».