ما بين مبنى الأمن العام اللبناني، في نقطة المصنع الحدودية، و«هنغار» الجمارك، باحة صغيرة لا تتعدى مساحتها الـ 200 متر مربع. باحة تضيق بسيارات العابرين إلى لبنان إثر أية حركة خفيفة، علماً بأن نقطة العبور هذه تعدّ الأشد ازدحاماً بعد مطار رفيق الحريري الدولي. حركة العبور في نقطة المصنع، هذه الأيام، ليست مؤشراً الى الحركة الطبيعية. هكذا يقول مسؤول في الأمن العام، الذي يؤكد مرور بين 10 آلاف و15 ألف مواطن عبر «المصنع»، ذهاباً وإياباً، في أيام الأسبوع العادية.


ورغم ما ينقله المواطنون عن «سوء أحوال المصنع»، يؤكد المسؤول أن «ما يقوم به الموظفون هنا إنجاز كبير مقارنةً بعددهم القليل». فقد بلغت نسبة العبور في الذهاب والإياب في العامين الماضيين نحو 45 الف عابر يومياً، في ظل «الإمكانات القليلة المتوافرة، مقارنةً بما هو موجود في مطار بيروت الدولي». لم ينف المسؤول الأمني، حاجة المركز إلى تطوير المكننة وتبديل الأجهزة الحالية بأجهزة متطورة، تواكب التطور التقني المتزايد على «المعابر» عالمياً، مؤكداً «افتقاد المراكز الحدودية البرية اللبنانية الآلة التي تقرأ البصمات المشفرة على الهوية والجواز»، ما يؤثر في عمل الموظفين، الذين يضطرون الى تدوين كافة المعلومات الشخصية للعابر على مؤشر الحركة، في الاتجاهين. برأيه، أهمية هذه الآلة ليست فقط في تسريع العمل، بل أيضاً في كشف الهويات والجوازات المزورة، آملاً من الحكومة الجديدة «الإسراع في إنشاء البناء المزمع إقامته ضمن المواصفات الدولية، لتواكب المراحل الزمنية تزايد العابرين، ودراسة المنطقة للحدّ من الخطر الناجم من حوادث السير».
المشكلة، ليست في الأمن وحده. فعند وصول أي زائر الى نقطة المصنع، يلاحظ مدى قِدم المباني. لم تطرأ عليها أي توسعات سوى بعض الترميمات الدورية والسياج الشائك. وفي هذه الفترة، تخلو الباحة من أي سيارة تحمل اللوحات الخليجية أو الأردنية، بسبب الأحداث الجارية في سوريا. غير أن التراجع الذي يقدّره المتابعون بنسبة50%، عما كانت عليه الحال في الأعوام السابقة، في مثل هذا الوقت، لا علاقة له بالمشاكل التقنية الأخرى. فمثلاً، يتحدث عابرون يوميون، عن حاجة «المبنى» إلى توسيعات ضرورية وملحة، وزيادة في عدد الموظفين، عدا ضرورات «زيادة المكننة لاستيعاب أعداد العابرين التي تفوق الحد المتوقع أحياناً»، علماً بأن المبنى شُيّد في أواخر الخمسينات بما يناسب الحركة آنذاك. وحينها، كانت أقصى حركة عبور متوقعة قد تصل إلى 3500 عابر يومياً من لبنان واليه. هذا ما يسبب للعابرين مشاكل متعددة، تبدأ من الانتظار الطويل لـ«ختم التأشيرة»، من قبل موظف الأمن العام لكون المعلومات الشخصية عن الهوية ما زالت خاضعة للتلقين اليدوي للكمبيوتر، إضافةً الى أن «الكونتوارات» الموزعة للبنانيين والعرب والأجانب والدبلوماسيين والسوريين، لا يتجاوز عددها السبعة. ما يؤدي الى ازدحام خانق أمام «زجاج» العنصر المخول إعطاء التأشيرة. ولا تنتهي مشاكل الموظفين، مع المواطنين الذين يضيعون بسبب تلاصق مبنى القادمين مع مبنى المغادرين. والأسوأ من ذلك، لا حمّامات. وهناك من «يقضي حاجته في الهواء الطلق» قرب نقطة العبور.
وإلى الأمن والمشكلات الروتينية، هناك «عجقة أيام الجمعة والسبت»، لكنها «راحت»، كما يقول أحد الصرافين الجوالين في محيط مبنى الأمن العام، وهو يلحق بزائر سوري عائد الى بلاده، ليقنعه بتبديل العملات. تأفّف العامل من انتظار عائلته نحو نصف ساعة، تحت أشعة الشمس، ريثما ينجز لها المعاملات. كانت غالبية المحطات المخصصة لتسيير المعاملات شبه خالية، باستثناء التي من اختصاصها إنجاز معاملات العودة للسوريين. أما بلال أحمد، اللبناني القادم من الخليج براً، فقارن بين دول الخليج ولبنان في إنجاز المعاملات والتأشيرات لجوازات السفر ولدفاتر السيارات العابرة للحدود. قال: «هونيك بلحظة انت وبسيارتك بينتهي كل شي، لما الجواز والهوية ودفتر السيارة كلها تحمل بصمات مشفرة، ما بعرف عنا ليش بعدن ما حدثوا الكمبيوترات، المفروض بس تمرق البصمة على الجهاز لحالو بيقرا كل المعلومات، من دون ما الموظف يرجع يكتبها». فيما سائق سيارة الأجرة، السورية ابو أدهم خلف، الستيني الذي يعمل على خط دمشق ـــــ بيروت، منذ أن كان عمره 22 عاماً، يقارن حال المبنى اليوم بحالته في السبعينات، مؤكداً أنه لا «شيء تغير إلا بعض التصليحات». أحياناً تصل السيارات الى مسافة قريبة من مركز الجمارك مما يعيق حركة موظفيه، وبعد أن تمتلئ الباحة بالسيارات، يمتد خلفها طابور، قد يصل إلى مئتي متر. يردف الرجل وهو منهمك بهويات وتأشيرات ركابه، «لو بمرق باليوم عشرين مرة على الأمن العام اللبناني او السوري، بدن يكتبوا معلومات هويتي الشخصية». يرى الرجل أن هذا أحد العوائق التي تؤخر إنجاز المعاملات، وتسبب الازدحامات الخانقة.
بدوره، يرى أسعد حازم، الذي يعمل على سيارة تحمل لوحة لبنانية خصوصية، بين سوريا ولبنان، باعتبار أن السيارة الخصوصية يحق لها التجول داخل الأراضي السورية خلافاً للسيارة العمومية، التي محطتها الوحيدة هي في «كاراجات السومرية»، أن «الحركة ميتة». يحاول أن يكون منصفاً: «عناصر الأمن العام يقومون بعمل جبار نسبة الى الحدود السورية»، قاصداً ضيق المبنى وقلة عددههم.