في الأول من حزيران الماضي، قصد أحد الرتباء المصرف ليطلب من إدارته عدم حجز راتبه في حال استحقاق موعد الدفعة التالية من فروقات سلسلة الرتب والرواتب، من دون أن تكون وزارة المال قد صرفتها، وذلك تفادياً لما حصل معه مطلع العام الجاري. يومها، فوجئ الرتيب المذكور، أثناء محاولته سحب راتبه عبر الصراف الآلي بعبارة «Blocked». دخل إلى المصرف ليستفسر، فأعلموه بأن راتبه بات بتصرفهم، باعتبار أن سند الدفع عن «فروقات السلسلة» استحق والدفعة لم تُصرف بعد. وبعد أخذ ورد، وافق المصرف على إعطائه مبلغ 300 ألف ليرة من أصل راتبه، «إشفاقاً عليه في أجواء الأعياد».

تخوُّف الرتيب الاستباقي كان في محله، فوزارة المال لم تُخيب ظنه. كررت تأخير صرف الدفعة هذه المرة أيضاً. استدعاه المصرف وأعلمه بالأمر، فطلب إمهاله شهراً قبل حجز راتبه، فقد تكون الدفعة صُرفت. وافقت إدارة المصرف وأعطته بدل الشهر شهرين، حتى الأول من آب، وعندها لن يكون أمامهم سوى حجز الراتب إذا لم تنزل دفعة فروقات السلسلة. وصل الأول من آب من دون أن يقبض العسكريون الدفعة. وقع المحظور فحُجز راتب الرتيب من دون الأخذ في الاعتبار كيف يمكنه إعالة عائلته حتى نهاية الشهر من دون مال.
الرتيب المذكور ليس وحيداً في هذه المعاناة، فقد قاسى ويقاسي عسكريون كثر من رتب مختلفة، من ترددات دفع فروقات سلسلة الرتب والرواتب. فمنذ عدة سنين، وبعدما اتّفق على دفع فروقات سلسلة الرتب والرواتب على ست دفعات، وبعد قبض المستحقين للدفعة الأولى، عرضت المصارف على مستحقي الفروقات أن تدفع لهم المبلغ المستحق، على أن تقبض هي الدفعات اللاحقة مقابل فوائد تحصل عليها. حصل مستحقو الفروقات على المبلغ بعدما وقّعوا سندات دين للمصارف، فعُدّ أن ما نالوه بمثابة قروض بذمتهم تستحق على خمس دفعات. وكان يُفترض وفق المرسوم أن تدفع دفعات الفروقات مرّتين في السنة، في الأول من كانون الثاني وفي الأول من حزيران. غير أن «لخبطات» حصلت بسبب استقالة الحكومة، وعدم توافر السيولة وغير ذلك من الأمور، أدت إلى قلب ما كانت قد خططت له المصارف.
تعود قصة الفروقات إلى عام 1998 حين صدرت عن مجلس النواب ثلاثة قوانين (716، 717، 718) تحدّد الأسس التي ستُعتمد للعمل وفق سلسلة رتب ورواتب جديدة في القطاع العام. وبما أنّ تطبيق هذه القوانين له مفعول رجعي يبدأ في مطلع عام 1996، كان واضحاً وجود فروق ترتبّت على الدولة تمتدّ إلى 3 سنوات. فهذا الأمر كان ملحوظاً في المادة الـ14 من القانون 717 التي ربطت تسديد هذه الفروقات بـ«توافر الإمكانات لدى الخزينة»، وحينها فقط «تحيل الحكومة على المجلس النيابي مشاريع قوانين ترمي إلى فتح الاعتمادات اللازمة لتأدية المفعول الرجعي المستحق اعتباراً من 1/1/1996 للمستفيدين من أحكام هذا القانون». وبموجب نصوص هذه القوانين، يستفيد العسكريون من فروقات السلسلة التي تعدّلت مرّة جديدة بموجب القانون الـ63 الصادر بتاريخ 31/12/2008، إذ أُعطي جميع موظفي الدولة مهما كان نوع وطبيعة عملهم وعقدهم في ملاك القطاع العام، زيادة بقيمة 200 ألف ليرة تضاف إلى أساس الراتب الشهري.
رأى تكتل التغيير والإصلاح أن هناك تحايلاً بعبارة «توافر الإمكانات لدى الخزينة»؛ إذ «لا يمكن ربط القانون بشرط غامض باعتبار أن القانون ملزم»، بحسب النائب إبراهيم كنعان. كذلك فإن تقدير توافر الإمكانات من عدمه يبقى مبهماً؛ فالعجز الموجود في الخزينة يجعل مسألة «توافر الإمكانات أمراً مستحيلاً». وبذلك يكون مشرّعو هذا القانون قد خدعوا الناس، فامتصوا نقمة الشارع بالقول إننا صححنا الأجور، فيما يكون المطبق عكس ذلك؛ إذ ان القانون المذكور وفق كنعان «وُجد ليوضع في الجارور».
الخطوة كانت اقتراح قانون لتعديل المادة الـ 14 لجهة استبدال مسألة «عند توافر الإمكانات» إلى «تدفع فوراً». سار الاقتراح بالمسار الصحيح منذ البداية إلى اللجان المشتركة وصولاً إلى إحالته على الهيئة العامة لمجلس النواب، ووصل بصيغة مخالفة لما سبق أن اتفق عليه. فبعدما جرى التوافق السياسي في أيار 2009 على تسديد الفروقات، توافرت «الإمكانات» في الخزينة، وأصدر وزير المال السابق محمد شطح القرار رقم 550 بعنوان «وضع آلية تسديد فروق الرواتب ومعاشات التقاعد للمستفيدين...». وعلى الرغم من أن القرار نال موافقة مجلس شورى الدولة، إلا أنه تضمن مخالفة جسيمة لنص القوانين المذكورة، وارتكاباً فادحاً بحق كل العاملين في ملاك الدولة والمؤسسات العامة والقوى العسكرية والقضاة والمعلمين، حيث إنّ المادة الثالثة من القرار حدّدت آلية لاحتساب الفروقات مخالفة لما هو مذكور في القوانين الأربعة. فطريقة احتساب الفروقات وضعت على أساس الراتب من دون احتساب التعويضات، الأمر الذي سيحرم العسكريين نحو 60 مليون دولار أميركي. تقدمت وزارة المال بمشروع قانون سمّته قانون تفسير «قانون الفروقات»، لإمرار مسألة احتساب الفروقات على أساس الراتب فقط. «ألاعيب السنيورة»، بحسب كنعان، جوبهت بالإصرار العوني على «احتساب الفروقات على أساس الراتب مع احتساب التعويضات».
حتى الآن حصل العسكريون على أربع دفعات، فيما تبقى لهم في ذمة الدولة دفعتان. ويؤكد كنعان لـ«الأخبار» أن بتّ الأمر في الدفعتين الباقيتين من فروقات سلسلة الرتب والرواتب في حكم تحصيل الحاصل، لكنه يرى أن الجلسة التشريعية التي ستعقد نهار الأربعاء ستحسم طريقة احتساب الفروقات إن كانت على أساس الراتب فقط وفق طرح فؤاد السنيورة أو بحسب ما يرى أنه يعطي الحقوق لأصحابها من العسكريين الذين تكثر المحاولات لاستهدافهم على أكثر من صعيد. أما مسألة تأخر صرف الدفعة الخامسة، فيرى أن سببها خطأ تقني يُفترض أن تُراجع فيه وزارة المال، وإلا فسيعمد إلى ممارسة دوره لجهة الرقابة البرلمانية على المخالفات الحاصلة.
من جهته، أكد مسؤول أمني لـ «الأخبار» أن تأخر نزول الدفعة الخامسة من سلسلة الرتب والرواتب سببه عدم حسم آلية احتساب الفروقات. وأشار إلى أنها أُجّلت إلى ما بعد الجلسة التشريعية حتى يتحدد المبلغ المتبقي للعسكريين. إذ إن آلية احتساب الفروقات سترفع من المبلغ المتبقي المستحق للعسكريين إذا اعتُمد الطرح العوني. أما إذا اعتمد الفارق على أساس الراتب فإن المبلغ سيتقلّص.