الصور العائدة إلى مدينة صور قبل أقل من خمسين عاماً تُظهر المدينة مشرّعة على واجهات رملية ثلاث، من دون أثر للكورنيش البحري الحديث أو السوق الشعبي ومواقف السيارات، والمرفأ التجاري بمبانيه وسنسوله الضخم. ففي الماضي القريب كانت للمدينة شطآن رملية ومرفأ صغير للصيادين، تحول في العقود الماضية الى حوض للمياه المبتذلة، يحيطه سنسول متهالك ومبان غير مرممة. واقع سيّئ استدعى تدخل جهازين من الدولة «لتحسين الوضع»، لكن يبدو أن المشاريع الجديدة تهدد تاريخ المدينة وهويتها، ما يجعل مكانتها على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو في خطر.

الورش القائمة في محيط المرفأ تتبع لمشروعين منفصلين: الأول تدعيم السنسول الحالي لميناء الصيادين، الذي تنفذه وزارة الأشغال العامة والنقل، والثاني تأهيل الميناء والمباني الملحقة به والواجهة المشرفة عليه، الذي يندرج ضمن مشروع الإرث الثقافي والتنمية المدنية، الذي يموله البنك الدولي ووكالة التنمية الفرنسية، بإشراف مجلس الإنماء والإعمار وبلدية صور، والمديرية العامة للآثار. الإرث الثقافي لم يهتم بالميناء، بل وضع يده «التأهيلية» على ساحة البوابة المجاورة والسوق الشعبي، كما على واجهات المدينة وشوارعها الرئيسية، إلا أنّ اجتماع هذه الأطراف في تنفيذ المشاريع التي رُصدت لها ملايين الدولارات لم يلاق الترحيب المطلوب في المدينة، بل على عكس ذلك، ترى بعض الجمعيات الأهلية في هذه الورش خطراً داهماً على هوية صور، وأبرز مظاهره دفن الميناء الفينيقي مجدداً تحت أطنان من الإسمنت.

ميناء مدفون

ميناء الصيادين الحالي هو الميناء الشمالي لمدينة صور الفينيقية، الذي من المفترض أنه يؤوي في قعره آثار السفن التجارية التي غرقت قبل إقلاعها محملة بالبضائع، لكن علماء الآثار لم يعملوا على إبراز هذا المرفأ قبل دفنه أولاً سنة 1960. حينها قررت الوزارات تدعيم السنسول القديم بكتل إسمنتية، وبدأت عملية شفط الرمال من قعر الحوض بهدف تنظيفه. إلا أن تلك العملية كانت «مجزرة» للآثار الموجودة في القعر، التي دُمّر قسم منها. ولم يتوقف تدمير المرفأ الفينيقي هنا، بل استمر في ثمانينات القرن الماضي، حينما بدأت عملية تأهيله. فشيد مبنى نقابة الصيادين، وجرى تحديد وبناء المرفأ التجاري والمبنى الملاصق له، من دون أن يتردد القيمون على المشروع في ردم البحر لإنشاء السوق والساحة. باختصار جرى التعامل مع المرفأ على أنه حديث العهد، فهُدم ما هُدم من الآثار غير المكتشفة، واستُحدثت مصبات المياه المبتذلة الى داخل حوض المرفأ القديم، كأنما هذا التشويه كله لا يكفي لتدمير تاريخ وهوية المدينة، ففي عام 1995 قدم وزير النقل آنذاك عمر مسقاوي مشروعاً لتطوير المرفأين وحوض الصيادين، طالباً ردم 800 ألف متر مربع من البحر بدءاً من البص حتى المرفأ، فوافق مجلس الوزراء حينها على المشروع: حصلت صور على كورنيش بحري، وأصبحت تشبه كل باقي مدن الساحل اللبناني ودفنت هويتها التاريخية الجمالية تحت الطريق.
المضحك ـــــ المبكي أن أعمال هذه الوزارة كانت تجري في موازاة مشاريع وزارة الثقافة لإتمام الدراسات التفصيلية للمرفأ القديم. ففي تلك السنين عمل الباحث الفرنسي كريستوف مورانج على تحديد الميناء القديم لصور، وقدم تقاريره التي لاقت رواجاً كبيراً في المنشورات العلمية... الا أن الدولة اللبنانية لم تأخذ تلك النتائج في الحسبان، حينما قررت ردم شاطئ الصور الرملي، ماحية بذلك الآثار البحرية للمدينة.

ترميم وأبنية جديدة

أما مشروع الإرث الثقافي، فيهدف الى تحسين واقع الصيادين وتجميل منطقة المرفأ على نحو يتماشى مع هوية المدينة. ويهدف الى توسيع ثلاثة أرصفة قديمة وتجهيزها بالكهرباء والماء والإنارة لمصلحة الصيادين، كما سيجري استحداث رصيف رابع لمراكب الصيادين، وإنشاء مبنى بديل لمبنى نقابة الصيادين الحالي، وبناء مشغل لإصلاح مراكب الصيد ومستودعات للصيادين، وتخصيص مكان لبيع السمك وتأهيل الواجهة البحرية للمرفأ. ولأن كل ذلك يجري فقط للتدعيم، يؤكد المعنيون في المشروع أن كل تلك الأعمال «تنفذ تبعاً لتقنية إنشائية جديدة، فلا يمس الإسمنت بقاع المرفأ». وذلك بالطبع تهريج، فعلى الأرض يجري تعريض سنسول ثمانية أمتار، وتدعيم البناء بوضع مكعبات إسمنتية ضخمة في البحر ككواسر للموج العالي الذي يضرب المرفأ شتاءً!
تقول رئيسة اللجنة الدولية لحماية صور مهى الخليل إن تعديلات كثيرة أُضيفت إلى المخطط الأساسي الذي وضعه المهندس بيار خوري، والذي كان يلحظ إلغاء مبنى نقابة الصيادين الحالي، ونقله الى المبنى الذي شُيّد في السنسول الشمالي، لكن، نرى اليوم أن المشروع في صدد هدم المبنى لتشييد مركز نقابة ومقهى في مكانه «ما يشوّه الميناء تشويهًا كاملاً من جديد ويلغي جماليته»، إضافةً الى وجود مخالفات في عمليات ترميم واجهات الأبنية المقابلة للميناء «التي تحوي طبقات غير مسموح بها قانونياً، لكن لا تُزال بل يُعمل على تحسين وضعها». وينضم صوت جمعية ملتقى الشباب الثقافي الى صوت الخليل لإبراز رفض هذه الأشغال «التي تغير المعلم التاريخي الأقدم في المدينة». ويسجل الطرفان استغرابهما «لصمت المديرية العامة للآثار عن تلك التجاوزات، محملين إياها المسؤولية الأولى عما يجري».
إزاء هذه الانتقادات والاتهامات، يؤكد مجلس الإنماء والإعمار (المشرف على تنفيذ مشروع الإرث الثقافي) أن «الأشغال التي تجري اليوم في المرفأ ترتكز على دراسات تفصيلية لكل شق من المشروع الأولي، وافقت عليها كل الجهات الرسمية والمجالس المحلية المعنية، ومنها المديرية العامة للآثار والمديرية العامة للتنظيم المدني ومديرية النقل البحري ومؤسستا كهرباء لبنان ومياه الجنوب والبلدية والنقابات والجمعيات المحلية».
أصداء الاحتجاجات وصلت الى اليونيسكو التي انتظرت تسلّم تقرير عن المشاريع القائمة في شهر شباط الفائت، لمناقشته في اجتماعها السنوي، الذي عقد في نهاية حزيران الفائت، لكنها تسلمت التقرير قبل عشرة أيام من موعد اجتماع لجنة التراث العالمي، فلم يتسن لها الاطلاع عليه، إلّا أنها عرضت إرسال فريق علمي مؤلف من مندوبين عنها وعن المجلس الدولي للمعالم والمواقع ICOMOS ليكشف على الأرض عن التغيرات التي تعيشها المدينة من خلال مشاريع الإرث الثقافي ووزارة الأشغال العامة. وبالطبع، إذا ما لاحظ الخبراء عدم الالتزام بالتوصيات التي تصدرها المنظمة الدولية، فقد تُدرَج صور على «قائمة مواقع التراث العالمي المهدّدة بالخطر».




صور على لائحة التراث العالمي

في سنة 1984، وفيما كانت الحرب الأهلية تفتك بلبنان، قررت منظمة اليونسكو إدراج مواقع صور الأثرية على لائحة التراث العالمي. الخطوة أتت لحماية المواقع الفريدة من نوعها عالمياً لجهة أهميتها بالنسبة إلى الحضارة الرومانية، ولما لصور الفينيقية من دور في تاريخ البشرية. لكن هذه الحماية لم تكن كافية لإبعاد الأخطار المحدقة بالموقع. فالبناء العشوائي أحاط بموقع البص على نحو يقتل جماليته. أما موقع الآثار البحرية، فبقي على حاله حتى بداية التسعينات، حينها، قررت الأوقاف في صور بناء مدرسة دينية بالقرب منه، فكاد أن يرفع الموقع عن لائحة التراث العالمي. أما بالنسبة إلى المدينة القديمة والمرفأ، فلطالما طالبت اليونسكو بحمايتها وتأهيلها لأنها تحفظ بين أزقّتها وخلف جدرانها البيضاء هوية سكان المدينة وحياتهم. لذا، لحظ مشروع الإرث الثقافي دراسات عن المدينة القديمة، مع التأكيد على ضرورة تأهيل المرفأ وتحديثه على نحو لا يتنافى مع تاريخ المدينة، ويهدف أولاً الى المحافظة عليه، لا إلى إضافة هوية جديدة إليه.




المرفأ الشمالي

مرفأ صور الشمالي كان يُعرف أيام الفينيقيين بمرفأ صيدون لأنه كان يُستخدم للإبحار باتجاه مرفأ صيدا. وتشير المصادر التاريخية الى أن سفن البحارة التي جابت العالم انطلقت منه. 
في القرن السادس الميلادي تعرضت صور لزلزال أغرق المرفأ الجنوبي كلياً، فيما دمر المرفأ الشمالي جزئياً. وتشير الوثائق التاريخية الى أن الأمير فخر الدين المعني كان يخطط لترميم المرفأ بالاستعانة بخبراء ومهندسين من حكومة فلورنسا الإيطالية، إلا أن المشروع أُوقف بنفي الأمير. وفي عام 1750، شملته عملية إعادة الإعمار التي أطلقها عباس النصار للمدينة، إلا أنه بحسب الوثائق، فقد رُمّم حوضه وسنسوله بحجم أقل مما كان عليه في الأساس، لا بل إن الأبنية التراثية التي لا تزال تشرف عليه مثل سرايا صور، أُنشئت على أنقاضه.