يحوز السجين الهارب الكويتي محمد الدوسري، الملقب بـ«أبو طلحة»، «مكانة خاصة» في تنظيم «القاعدة» لأدواره في أكثر من دولة. مكانته لدى التنظيم، بحسب المعلومات الاستخبارية، أعطته توصيف «أحد أخطر المطلوبين في سجن رومية». في المقابل، ينفي إسلاميون وجود أي رابط بين الدوسري وتنظيم القاعدة. فالدوسري، وفق عارفيه داخل السجن المركزي، كان شخصاً عادياً. ورغم نفي جهات إسلامية للتهم المسوقة بحقه، يبقى لغزاً قد تتكشف خفاياه في وقت ما.

وقد شاءت الصدف، التي قد تكون مدبّرة، أن يتمكن «المجاهد أبو طلحة» من الفرار إلى جانب ثلاثة سجناء من موقوفي فتح الإسلام. ملابسات الفرار لا تزال مجهولة، لكن رائحة التواطؤ تفوح في كثير من الأروقة. يفترض بالتحقيق أن يحسم القضية، لجهة ما يتردد عن تورّط ضباط أو لجهة كشف ما تردد عن وجود صلة لشخصية سياسية بعملية الفرار، لكن الحقيقة أن السجناء فرّوا و«أبو طلحة» سيبقى يتنشّق هواء الحرية حتى أمدٍ غير معلوم.
وسط أخذ وردّ، بين موافق على وسم «أبو طلحة» بـ«الإرهابي» ورافضٍ لهذه الصفة، تُبرز مجموعات معطيات تبقى غير مؤكدة حتى تحسمها الجهات الرسمية. فيحكى أن «للمجاهد أبو طلحة» باعاً طويلاً في مجال الإرهاب، إذ يتّهم بالضلوع في العديد من العمليات الأمنية في العراق. ويتردد أنه متورط بالتخطيط لتفجير مركز تجاري في قطر ومراكز أخرى في المملكة الأردنية، ويواجه تهماً تصل عقوبتها الى الاعدام في قضايا عدة تمس أمن دولة الكويت، منها تحريض الشباب على القتال والجهاد في العراق وأفغانستان، فضلاً عن اتهامه بالقيام، مع شخص آخر يدعى فيصل المغربي، بتحديد المواقع العسكرية الاميركية الموجودة في الكويت في السالمية وميناء الشعيبة، وفي العاصمة القطرية الدوحة بغية ضرب المواكب العسكرية لدى تنقلها بين هذه المواقع. وأظهرت التحقيقات أن الدوسري والمغربي اتفقا على شراء سيارة لنقل المتفجرات الى دولة قطر لتنفيذ مخططهما هناك، وأقاما مخيماً في منطقة بر الوفرة لاستعماله مقرّاً للتخطيط «وتنفيذ أعمالهما التخريبية». ولدى انتباه «أبو طلحة» أنه في مرمى مراقبة الأمن قرر مغادرة البلاد، فتمكن من الهروب بواسطة جواز سفر مزوّر، علماً أن هناك امر قبض عليه صادراً عن إدارة أمن الدولة في الكويت. الجواز المزوّر مكّن «أبو طلحة» من تنفيذ مراده بالذهاب إلى باكستان، حيث تمكن من الحصول على فيزا دخول على ذلك الجواز، ليتمكن من الدخول الى باكستان والخروج منها في ما بعد.
أوقف «أبو طلحة» في أحد فنادق بيروت بعد دخوله الأراضي اللبنانية عبر مطار رفيق الحريري الدولي في الرابع من حزيران عام 2009 آتياً من أثينا بجواز سفر مغربي مزوّر. وقد أوقف استناداً إلى معطيات حصلت عليها استخبارات الجيش. استجوب الرجل على مدى أسابيع قبل أن يحال إلى القضاء العسكري حيث حكم عليه بالسجن مدة ثلاث سنوات بجرم حيازة جواز سفر مزور. وبرز اسمه بعدما طلب قاضي التحقيق العسكري فادي صوان إنزال عقوبة تصل إلى الاشغال الشاقة المؤبدة في حدّها الأقصى بحقه، ومعه السوري سمير حجازي، والطاجكستاني محمد زاهامو تياروف، بتهمة الاشتراك مع آخرين في تأليف عصابة سرية مرتبطة بتنظيم «القاعدة» والتخطيط للقيام بأعمال إرهابية في لبنان وسوريا، بينها ضرب قوات «اليونيفيل» المعززة في جنوب لبنان، لكن الحكم لم يتجاوز الثلاث سنوات.
تمحور استجواب استخبارات الجيش الذي أُخضع له الموقوفون حول سبب وجودهم على الأراضي اللبنانية والأعمال التي كانوا يعتزمون القيام بها، ولمصلحة أي جهة، ومدى ارتباطهم بعضهم ببعض وكيفية وصولهم إلى لبنان. وتمكن المحققون من انتزاع اعتراف من الموقوفين الذين أفادوا بأنهم كانوا يسعون إلى تأسيس فرع لتنظيم «القاعدة» في لبنان بهدف القيام بأعمال لوجستية وفتح خطوط إمداد تُستعمل في ما بات يعرف بأنه «أرض النصرة لا أرض الجهاد». وبيّنت التحقيقات أن الدوسري كان يشغل مركز تأمين الدعم اللوجستي لتنظيم «القاعدة»، وهو المسؤول عن هذا الأمر في المشرق العربي في دول مثل الاردن وسوريا والكويت والعراق والسعودية. كذلك تبين أيضاً أن الدوسري كان يتواصل في لبنان مع أشخاص معنيين بالملف نفسه في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين شرق مدينة صيدا جنوب لبنان.
إضافة إلى ذلك، تبين أن احد شركاء الدوسري الذي أوقف أيضاً، كان يتولى العمل على تحديد بعض الأهداف البشرية التي يمكن أن يستفاد منها لتأسيس فرع «القاعدة» وتأمين الأعمال اللوجستية لفروع التنظيم في المنطقة من مال وسلاح وكوادر بشرية وأدوات اتصال وأمور تقنية أخرى.
وقبل أن يظهر «المجاهد أبو طلحة» في لبنان، كان قد أوقف في الكويت مدة سبع سنوات في عام 2000 كما أوقف بعدها في سوريا عام 2008، وشارك في القتال ضد الاحتلال الأميركي في أفغانستان.
وقد عاد اسم الدوسري الى الواجهة في لبنان عام 2010 عندما كشفت إحدى الصحف أن الرئيس ميشال سليمان وقّع مرسوماً جمهورياً يقضي بتسليمه إلى السلطات العراقية، علماً أن مرجعاً قضائياً حينها أشار إلى ان المرسوم الجمهوري بتسليم الدوسري جاء بحسب الاصول والاتفاقات، باعتبار أن «ابو طلحة» محكوم بالسجن ثلاث سنوات في لبنان، وتالياً لن يكون متاحاً تسليمه الى العراق الا بعد انقضاء مدة محكوميته.
يذكر أن السلطات العراقية كانت قد طالبت لبنان بتسليمها «أبو طلحة»، بحجة استكمال التحقيقات في جرائم مرتكبة في العراق كان الدوسري على صلة بها. لكن الكويت رفضت تسليمه للحكومة العراقية وحمّلت لبنان المسؤولية السياسية والقانونية عما قد يتعرض له. وكان عدد من النواب الكويتيين قد شددوا على وقف قرار تسليم الدوسري المسجون في لبنان، مطالبين بعودته إلى الكويت لتنفيذ الأحكام الصادرة بحقه هناك.




فور انتشار خبر تمكن السجين محمد الدوسري (مواليد 1973) من الفرار من سجن رومية المركزي، امتلأت صفحات عشرات المواقع الإخبارية الإسلامية على الشبكة الالكترونية بخبر هروب «المجاهد أبو طلحة الدوسري» من أحد سجون لبنان. وقد حفلت مواقع الدردشة بالدعاء للسجين الفار محمد الدوسري (مواليد 1973) بـ«النجاة من أعدائه ووصوله إلى أهدافه سالماً معافى».