يُنظر الى الرياضيين، اليوم، على أنهم رجال ثروات حصلوا عليها بفضل مواهبهم التي حوّلتهم نجوماً عالميين يتقاضون أموالاً تتخطى كل الأحلام، فثروة تايغر وودز، لاعب الغولف، قدرت بمليار دولار. مبلغ قررت المجلات أن تعدّه الأعلى في التاريخ للاعب رياضي.

لكنّ هذا الادعاء يرفضه أستاذ الحضارة الرومانية في جامعة بنسيلفانيا بيتر ستريك، الذي شرح في مقالته أن الغنى الفاحش للرياضيين اليوم لا يقارن بما كان يجنيه الرياضيون في روما... من دون حملات إعلانية ورعاية تجارية. فمداخيل سائقي العربات في سباقات الخيل في روما (ما يمكن مقاربته اليوم بسباق الفورمولا 1) وصلت الى ما يقارب ميزانية دول حالية. وهؤلاء النجوم كانوا يقدمون عروضهم أسبوعياً، في السيركوس ماكسيموس، الذي يستوعب ربع مليون مشاهد، وكانوا يأتون من كل أرجاء الإمبراطورية لمتابعة هذه الأحداث الرياضية. كان المشاهدون يصلون الى سباق الخيل قبل يوم من المباراة، وينامون على المقاعد التي يحجزونها، كانوا يأكلون ويحتسون الخمور على نحو مفرط مما يدفع مع ضغط الألعاب الى حالة من الهستيريا الجماعية، وهذا ما دفع بالمؤرخين الرومان الى إعطاء نصائح عن كيفية حجز المقاعد: اختيار مقعد سيدة من النبلاء والتقرب منها، وتمهيد وسادتها. اللاعبون في سباق الخيل هم من عامة الشعب. يأتون الى إحدى الفرق الأربع التي تتنافس في روما (الأحمر، الأزرق، الأبيض والأخضر) التي يمولها ويسهر عليها اكبر التجار ورجال الأعمال. وحالما تبرز موهبة أحد القادمين، تعمل الإدارة على إبرازه: فيعطى اسماً نجومياً جديداً، ويدخل الحلبات وتهتف الجماهير باسمه، تصلي له وتكتب التعاويذ وتستعمل السحر الأسود لتحميه فتشتري الدمى المنخورة بالمسامير التي تصور اللاعبين من الفرق الأخرى. كل أسبوع تعيش روما حالة من الهستيريا الجماعية الجديدة لمعرفة آخر أخبار نجومها.
كبار النجوم كانوا يتحولون الى أساطير، فيكتب عنهم الشعراء وترسم صورهم على جدران المنازل، وكانت المدن الأخرى في حوض البحر المتوسط أجمع تعرف وجوههم. أما ثرواتهم، فيمكن أن تكون فاحشة، بمعنى الفحش في الإمبراطورية الرومانية. فالأجور التي تقاضاها اللاعب الإسباني غايوس ابوليوس ديوغليس، بطل الحلبات في روما لأربع وعشرين سنة متوالية، حولته الى أيقونة لكل زملائه ومتابعيه، فرفعوا في وسط روما كتابة عملاقة باسمه حينما تقاعد في عمر الـ 42، مخلدين ذكره «كبطل كل سباق الحلبات». ثروة ديوغليس حينما تقاعد كانت تكفي لشراء القمح لكافة سكان مدينة روما لمدة سنة ! أو بمقاربة أخرى كان يمكن أن تدفع أجور جيش الإمبراطورية الرومانية لأكثر من خمسة أشهر، أي ما يوازي عديد الجيش الأميركي حول العالم! ولو حوّلنا هذا المبلغ الى مدفوعات اليوم، لأمكن القول إن ثروة ديوغليس تصل الى 15 مليار دولار... مبلغ لم يحصل عليه بعد أي نجم في عالم الرياضة الحالية. الهتاف لديوغليس يعبر القرون.