البقاع | لا يمكن أن تجد الحداثة طريقها الى مجتمع من دون أن يكون هناك جسر تواصل بينها وبين الماضي والحضارات البائدة. من هنا أتى رفض أهالي جب جنين الإهمال الذي طاول جسر البلدة القديم، والذي يؤكد الخبراء أن قواعده الضخمة تعود الى الفترة الرومانية. ولا يزال جسر جب جنين واقفاً بقناطره الاثنتي عشرة بارتفاع ثلاثة امتار، وبعرض نحو مترين، وبطول مئة متر مع قناطر مبنية بطريقة هندسية رائعة تعرف بـ «البناء العقدي»، أي بترابط الأحجار بعضها مع بعض. والجسر القائم حالياً يعود بأعمدته الى الفترة العثمانية، أما الطبقة الإسمنتية التي تغطي سطحه، فهي من مخلفات الانتداب الفرنسي. وكان ذلك آخر عملية تأهيل عرفها الجسر العتيق. ففي عهد الدولة اللبنانية أُنشئ جسر ثانٍ لا يبعد سوى اربعة أمتار عنه، وأهمل الجسر القديم 50 عاماً، وهو اليوم مهدد بالاندثار جراء جذوع الأشجار الضخمة النابتة بين أحجاره، وتجمع المياه والوحول عند قواعده ذات الأحجار الضخمة، عدا التعديات والتخريب الذي لحقه، إبان الحرب الأهلية اللبنانية، من جانب بعض المتطفلين، ظناً منهم أن الأمير فخر الدين، اثناء هروبه، خبأ كنزه فوق إحدى قناطر الجسر، كما نُزعت «بلاطة» كانت موجودة عند الواجهة الجنوبية للقنطرة الوسطى الأساسية. ويقول كبار السن في المنطقة إن كتابات كانت محفورة على جدرانه لم يبق منها شيء اليوم.

وللجسر أهمية استراتيجية، فهو يربط شرق «اهراءات روما» بغربها، التي يفصلها نهر الليطاني الى شطرين، ولهذه الغاية استحدث الرومان «تلة» بالقرب من الجسر لتكون نقطة مراقبة لقوافلهم التي تنقل «غلال السهل» من الجهة الغربية الى الجهة الشرقية. التلة بقيت على حالها حتى عندما جاء العثمانيون، الذين استعملوها وعرفت في عهدهم بـ «خان» ال حيمور. وإبان الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، أقام الجيش الغازي دشماً عسكرية في المنطقة، ويروي الأهالي أن الإسرائيليين نهبوا آثاراً من التلة الرومانية ونقلوها بطائراتهم العسكرية الى داخل فلسطين المحتلة.
ويشرح رئيس جمعية تراثنا الدكتور زينون حداد، أنه منذ سنة تقريباً، عمد الى تأسيس الجمعية بغية الوصول الى طريقة توقف التعدي على الجسر والإهمال الذي يطاوله، وقال: «الخطوة الأولى التي قمنا بها، بالتعاون مع بلدية جب جنين، كانت إزالة النفايات التي كانت تغطي المعلم، والعمل جارٍ الآن لترميم الجسر والمنطقة المحيطة به ليبرز كمعلم آثاري سياحياً لتوعية المواطنين على اهمية المحافظة على التاريخ، ولدعم وضع البقاع الغربي على الخارطة السياحية لانعاشه اقتصادياً». وأوضح حداد أن الجمعية كلفت المهندس ميشال داوود، الاختصاصي بترميم الأبنية القديمة، بالكشف عليه، «فأكد لنا أن حالة الجسر جيدة ويمكن ترميمه وإعادته الى ما كان عليه سابقاً»، وأضاف إن أخطر ما يتهدد الجسر هو الأشجار النابتة بين أحجاره، والتداعي الذي تتعرض له أحجار قواعده بامتصاصها المواد الكيميائية السامة جراء النفايات الصناعية. ولفت الى أن «الجمعية تقدمت بطلب الى وزارة الزراعة لتزودها بمواد تمنع اعادة نمو جذوع الأشجار، كما حصلت من المديرية العامة للآثار على مشروع لترميم الجسر واعادة تنظيم مجرى النهر واستصلاح الأراضي المحيطة به بعدما باتت بفعل عوامل الزمن أعلى من القواعد الأساسية». وأكد حداد أن «كل ذلك كان على نفقة الجمعية، التي تبحث عن هبات للوصول الى مبلغ الـ200 الف دولار الضرورية لنجاح المشروع، وتحويله الى معلم سياحي. والجمعية اليوم تنتظر موافقة الجهات والجمعيات العالمية واللبنانية والسفارات الأجنبية التي جرت مراسلتها، لمد المشروع بهذه المبالغ».
رئيس اتحاد بلديات البحيرة ورئيس بلدية جب جنين خالد شرانق أكد أن البلدية مع «جمعية تراثنا» «عازمة على اعادة تأهيل الجسر وترميمه، وهي تشرف الآن على تنظيفه ومتابعة شؤونه، ولهذه الغاية جئنا بخبراء وعاينوه، وجرى الكشف على عدة قناطر كانت مطمورة تحت الأرض، كما قامت بتنظيف محيطه وإعداده لبدء الأعمال»، مشيراً الى أنه «بتحسين الجسر العتيق تتحسن المنطقة، وقد تخلق فرص عمل جديدة، لأن الهدف الأول من المشروع وضعه على الخارطة السياحية».