خالد وشادي ومنير وسامر. أربعة أسماء مستعارة لأربعة سجناء يقيمون، بغير إرادة طبعاً، في مبنى المحكومين داخل سجن رومية. قبل مدّة، حصل شجار بين خالد والباقين. كانوا نزلاء زنزانة واحدة، لكن بعد الشجار، قرر الثلاثة الانتقال إلى أخرى. حصلوا على ذلك، مستفيدين من «واسطة» أحدهم. أرادوا إيذاء خالد «وتعليمه درساً». أوهموه أن لا مشكلة لهم معه، ودعوه إلى تناول الطعام معهم أثناء فسحة اللقاء، بعدما كانوا قد دسّوا في الأكل حبوباً مخدرة، وبعضاً من «الحشيش».

أكل خالد حتى امتلأت بطنه، وكذلك رأسه. في اليوم التالي، «كبس» حرّاس السجن زنزانته، وأخضعوه لتحليل مخبري للبول فتبيّن تعاطيه المخدرات. عرف الشاب أنه «أكل الضرب»، وأن زملاءه الثلاثة فعلوا فعلتهم ثم وشوا به، فأهينت كرامته ودوّن تعاطيه في سجله وأحيل المحضر على القضاء.
هذه الرواية نقلها لـ«الأخبار» السجين المخدوع نفسه، وأكدّها زملاء له كانوا يتندرون عليه، وكذلك أحد رجال الأمن الذي يرويها بشيء من السخرية، لكن، بعيداً عن «الكوميديا السوداء» لهذه الحادثة، فإن فيها دلالة على أن المخدرات لم تعد مجرد مادة موجودة داخل السجون، بل أصبحت، ربما، كالطعام والشراب في علانيتها، والأنكى أنها أصبحت مادة للمزاح و«تركيب الأفلام».
وقد جمعت «الأخبار» شهادات أكثر من 10 سجناء يقبعون خلف قضبان السجن، أجمعوا على أن «الحصول على المخدرات داخل السجن بات أسهل من خارجه، وتحديداً حبوب الهلوسة». أحد هؤلاء السجناء، وهو «رومي» (نسبة الى رومية) منذ أكثر من 10 سنوات قضاها خلف القضبان، يؤكد أن حبوب الهلوسة «هي العملة المتداولة اليوم في رومية»، فعلى سبيل المثال،، تُباع علبة دخان من نوع معين مقابل 3 حبّات «بينزيكسول»، وعلبة أخرى من نوع ثان مقابل حبة واحدة، أما من يملك «الريفوتريل»، فيمكنه أن يحصل في المقابل على السكر أو الشاي أو... «الخدم». هكذا، يمكن لسجين «مقطوع من شجرة» أن يصبح خادماً نتيجة إدمانه عند سجين آخر يملك المخدرات، فيعدّ له الطعام و «يدعك» له ظهره وأشياء أخرى. أما حشيشة الكيف، فيمكن من يملك «بذرة طيبة» منها أن يشارك سجيناً آخر في طعام «المواجهة» (ما يأتي به الأهل في الزيارات) بدل طعام «الأروانة» (الرديء) الذي تقدّمه إدارة السجن، وذلك في مقابل سيجارة واحدة «ملغومة».
إذاً، مالكو المخدرات وطرقها إلى داخل السجن هم «ملوك السجن»، لكن اللافت، بحسب كل السجناء الذين قدموا شهاداتهم، أن «التجّار» داخل السجن معروفون بالأسماء والأوصاف، ومع ذلك لا أحد يضع لهم حداً. يجمع السجناء على أسماء محددة، ويضعونها برسم الوزراء والمسؤولين المعنيين، ويتحدون أن تجرى فحوص لهم ليتبيّن أنهم من كبار المتعاطين «من الحبة إلى الكوكايين أحياناً». ففي مبنى المحكومين في رومية، هناك مثلاً ش. ك، ط. خ. إ. ع. أما في المبنى «ب» فهناك ح. م. ع. ع. ج. هـ. والأخير «قريب أحد العسكريين من الحرس». ويذكر أحد السجناء، أن ثمة طبيباً سجيناً (أخلي سبيله قبل أيام) كانت لديه «سلطة على بقية السجناء أقوى من سلطة آمر السجن، وكان يستغل ما لديه من واسطة ويدخل لمعارفه مختلف أنواع المخدرات». ويتحدى السجين أن تجري القوى الأمنية المعنية كشفاً لاتصالات أحد حراس السجن، واسمه ح. ج. «ليكتشفوا كيف يتسلّم المخدرات من خارج السجن ويوصلها إلى السجناء الذين ذكرتهم، ليبدأ الأخير بعدها بتوزيعها علناً على السجناء».
الحديث عن تورط بعض العسكريين من الحراس في تهريب المخدرات أو تسهيل مرورها إلى داخل السجن، ثبت في أكثر من حالة وحصلت توقيفات سابقاً، لكن هذا لا يعني أن بعض السجناء ليست لديهم طرقهم، وخصوصاً المتمكنين مادياً منهم، وذلك من خلال التهريب عبر الطعام وسائر الأغراض الأخرى وبطرق مبتكرة. بيد أن السجين يبقى سجيناً لا حارساً، ولا يمكن محاسبته من منطلق المسؤولية، وتبقى المسؤولية على المعنيين.
وفي هذا السياق تُذكر حادثة حصلت أمام المحكمة العسكرية في العام الماضي، حيث لاحظ القاضي أن السجين م. ع. وضعه غير سليم أثناء استجوابه، فسأله عما إذا كان قد تناول شيئاً قبل سوقه إلى المحكمة، فقال: «تناولت عدة حبوب مخدرة، إنما أنا الآن في حالة وعي». وعند سؤاله عن طريقة حصوله على الحبوب، أجاب إن أحد المسؤولين في السجن «يبيعنا الحبوب، وأنا أشتريها من داخل السجن».
من جهته، لا يجد مسؤول أمني رفيع حرجاً من الاعتراف بـ «واقع المخدرات المتفاقم داخل السجون». ربما كان سيشعر بالحرج لو قرر نفي هذا الواقع، وذلك في ظل التقارير الأمنية، الصادرة عن قوى الأمن أصلاً، التي تشير باستمرار إلى ضبط آلاف حبوب الهلوسة، فضلاً عن التقارير الطبية التي وثّقت أكثر من حالة وفاة نتيجة «جرعة زائدة»، لكنّ بعضها دُوّن تحت خانة «أزمة قلبية». وعن مراقبته لنسبة الحالات التي يجري فيها التحقيق داخل السجن بتهمة التعاطي، يفيد المسؤول الأمني أن هذه النسبة «تراجعت في الآونة الأخيرة، بحيث لم يعد يحوَّل إلينا في التحقيق أشخاص كما في الماضي». هكذا، يستنتج المسؤول من قلة نسبة الإحالات عليه أن تراجعاً في التعاطي قد حصل، لكن يغيب عن باله أن السبب قد يكون في عدم جدية ضبط تلك الحالات، التي يشتبه ببعض رجال الأمن كمتورطين بها، حتى أصبح الأمر «عرفاً من أعراف رومية».
وفي السياق نفسه، يؤكد رئيس جمعية «جاد» (شبيبة ضد المخدرات) جوزف حوّاط «أن كل أنواع المخدرات موجودة داخل السجون، أكثرها حبوب الهلوسة والحشيشة، وبنسبة أقل الهيرويين. وللأسف، قبل مدّة كنت في مؤتمر دولي للشرطة في دولة الإمارات وذكرت مسألة المخدرات داخل السجون عالمياً، فكان لبنان موضوعاً على رأس لائحة الدول المعنية». ويضيف حوّاط إنه بحسب التجربة تبيّن أن «أكبر شبكات لتجارة المخدرات الناشطة يجري تأسيسها داخل السجون، وللأسف بمساعدة وتسهيل من الحرّاس في أحيان كثيرة. أما الطرق التي تدخل بها المواد، فمثلاً عبر كعب حذاء، يُفك ويُملأ ثم يركّب. وعبر الطعام أيضاً، مثل غرز إبر معينة داخل البطاطا والكوسا والتفاح، وكذلك وضعها داخل الأدوات الكهربائية (التلفزيون مثلاً) التي يستثقل الحراس التفتيش داخلها، وغير ذلك من الأساليب التي لا تحصى». ويلفت حواط إلى مشكلة يعرفها المسؤولون، وكذلك كل من زار السجن، وهي أن الأشخاص المكلفين تفتيش أغراض السجناء عند دخولها هم سجناء أيضاً، وذلك نظراً «إلى نقص عديد الأمن»، وبالتالي «كيف يمكن ضبط التهريب والحال كذلك؟». ويختم حوّاط بإبداء تبرمه من بعض الذين «يتشدقون بمواضيع إصلاح السجون، من مسؤولين وجمعيات، لأن زمناً طويلا مرّ ونحن نسمع كلاماً ونحضر مؤتمرات بينما السجون هي السجون، على حالها منذ سنوات، بل أصبحت أسوأ».




موت في الزنزانة

لا تخلو سجلات السجون في لبنان من حالات موت بسبب «جرعة زائدة» من المخدرات، وإن كانت القوى الأمنية تجهد لعدم إعلان تلك الحالات، فتجد لها «تخريجة» بعناوين مختلفة لأسباب الوفاة. بيد أن ثمة حالات لم يكن في الإمكان إخفاؤها، كحالة السجين السابق ر. ص. الذي توفي قبل أشهر في سجن رومية، وعُرف يومها أن سبب الوفاة هو تعاطي المخدرات، وأشيع الخبر على نحو واسع، خصوصاً بعدما تسرّبت معلومات عن أحد العسكريين الذي يبيع حبوب الهلوسة للسجناء. يومها حمّل أهل السجين المسؤولية للمسؤولين «الذين يغضّون الطرف عن دخول المخدرات». وبما أن هذا النوع من الموت يحصل داخل السجون، بهذه البساطة، فإن النظارات والمخافر بذلك أولى. وفعلاً، فقد سجّلت وفاة سجين قبل أشهر في نظارة جب جنين، وذلك بعد ساعات على توقيفه لعدم حيازته أوراقاً ثبوتية، وتبيّن بعد كشف الطبيب الشرعي أن سبب الوفاة يعود إلى تناول الموقوف جرعة زائدة من المخدرات، كما أشار إلى وجود بعض الخدوش على أنفه.