أقر مجلس الوزراء الإسرائيلي هبة «لترميم بوابة دمشق» في القدس، كما ذكرت صحيفة «هآرتس» قبل أيام. وبوابة دمشق هي أكبر أبواب القدس، وأهم مداخلها الرئيسية، اعتبرها الرحالة في القرن الماضي أجمل مداخل المدينة القديمة. ويمر الداخل منها إلى مفترق طرق، يؤدي أولها إلى كنيسة القيامة وباب خان الزيت، وثانيها إلى طريق الواد فالمسجد الأقصى، وثالثها إلى حارة السعدية وحارة باب حطه. ويطلق على البوابة اسم بوابة دمشق لأن القوافل الآتية من تلك المدينة والذاهبة إليها كانت تدخل القدس من هذا الباب الذي عرف أيضاً باسم باب العمود، لكن الإعلام الإسرائيلي غيّر الاسم في نشراته وبات يستعمل تسمية بوابة نابلس لهذا المكان التاريخي. البوابة، مثل أسوار مدينة القدس، بحاجة الى ترميم دائم، وهذه هي الحجة التي استعملها العلماء الإسرائيليون لتبرير عملهم في الحارة التي يسكنها تجار عرب. فبدأت عملية تنظيف حجارة البوابة التي يصل عرضها الى أربعة أمتار، والكشف على الأشكال الهندسية التي كانت تغطيها. وتشير مقالة «هآرتس» الى «أن وفرة الزينة وجماليتها دفعت الخبراء الى البحث في أفضل طريقة لترميم المعلم، وتوصلوا الى أنه ينبغي ترميم البوابة بحسب شكلها حينما بناها سليمان القانوني عام 1537 – 1538 وبتصميم أكبر مهندس في السلطنة العثمانية: سينان. وبرر الخبراء هذا الاختيار بأنه أجمل شكل عرفته البوابة، كما أنه يرفع عنه الشوائب والإضافات التي أُدخلت عليها لاحقاً». وبدأ العمل وفقاً لهذا الهدف، وتم اختيار بنّاء ونحّات حجر عربي لإتمام الأعمال اليدوية في الترميم.

ولكن، في الواقع، فإن ترميم بوابة دمشق هو عملية قتل ما بقي من هوية هذا المعلم بشكله المعروف والمؤرخ في صور الرحالة. وقد وجدت الدولة العبرية لنفسها عذراً علمياً تختبئ وراءه، وتخفي خلفه أهدافها الايديولوجية. فتحت عنوان إعادة البوابة الى عصرها الذهبي، دمرت ما كان قد بقي من شواهد يتذكرها الأقدمون، وطمست الذاكرة الحية حول البوابة التي باتت الآن تشبه نفسها قبل 470 سنة، فلا من يتذكرها أو يخبر عنها. وهذا التغير الثاني الذي عرفته البوابة، ففي السابق كان التجار «يبسطون» أغراضهم أمام البوابة، تماماً كما كان يجري قبل قرون. لكن الحفريات الأثرية (الضرورية جداً للبحث عن الآثار العبرية تحت البوابة العثمانية) غيّرت شكل المعلم. ويبرر الإسرائيليون الحفريات على أنها بحث عن آثار العمود الروماني الذي سميت البوابة على اسمه سابقاً، والذي رفعه الامبراطور الروماني ادريانوس ووضع فوقه نصباً له. وكان العمود من الغرانيت الأسود بطول 14 متراً يتوسط مدخل المدينة، واعتبر من معالمها لدرجة أنه موجود على خريطة الفسيفساء التي اكتشفت في الكنيسة البيزنطية في قرية مادبا الأردنية. ولبوابة دمشق أهمية خاصة للمسيحيين الذين يؤمنون بأن يسوع المسيح عبر منها وهو في طريقه الى الجلجلة لصلبه.
مدخل بوابة دمشق، الآن، ساحة سياحية بامتياز، تتضمن مدرجات وممرات ترشد الى الآثار الرومانية المكتشفة. لكن الأهالي يعرفون الحجارة والبوابة الحديدية، والغرفة التي تأذت خلال حرب 1967 على نحو فاضح. لذا قرر العلماء الإسرائيليون أن من الضروري أن تلغى هذه الشواهد، لأنها مسيئة لتاريخ المعلم. فأزالوا الضرر الذي أحدثه جيشهم للمعلم التاريخي حينما احتلوا القدس ومعها كل ما يقل عمره عن 300 سنة.
والمضحك أن مقالة الصحيفة العبرية تعبر عن استيائها لأن «المواطنين العرب يرفضون عملية الترميم ويقولون ان البوابة لم تعد هي نفسها، وإنهم لم يعودوا يعرفون المعلم ويتهمون الدولة العبرية بإضافة معالم عليه». وما لا يريد أن يشرحه كاتب المقالة بأن هؤلاء القوم محقون في ما يقولونه، فعملية ترميم معلم بهدف إعادته الى شكله الأولي هي عملية اختيار حقبة تاريخية معينة (مجهولة من كل من عايشها وحتى الأقدمين) والتركيز عليها. وهي، بالتالي، تشبه عملية «بناء» جديدة. في عمليات ترميم الأبنية والمعالم التاريخية يستعمل هذا المبدأ، وهو علمي. ولكن يتبع عادة في المعالم التي ليس عليها لغط تاريخي وليست مصدر خلاف بحد ذاتها، والتي يكون الهدف منها سياحياً بامتياز. وإلا، فعادة ما تتبع عملية الترميم التي تحافظ على كل الفترات التاريخية وتحدد إضافات كل واحدة منها. وهذا بالتحديد ما يرفضه الإسرائيليون، كان هناك العثمانيون ومن ثم... الإسرائيليون، لم يمر أحد على المعلم سواهما!