لم تدخل ليبيا في سباق السياحة الأثرية العالمية، ليس لفقرها بالمواقع الأثرية، بل لرفض نظام الحكم السابق لهذا المطلب. فالعقيد معمر القذافي كان يعد السياحة والكشف عن الآثار من «اهتمامات الاستعمار والمستعمرين»، كما يؤكد علماء آثار بريطانيون يعملون في ليبيا. وتتميز آثار ليبيا بتنوعها؛ فعلى طول شاطئ البحر المتوسط تكثر المدن الرومانية التي تتميز بضخامة مبانيها؛ إذ إن هذا البلد كان أقرب مستعمرات الإمبراطورية إلى روما وقد عشقه الأباطرة فبنوا فيه أكبر مدن الإمبراطورية مثل لبدة (أو لابيس ماغ ناLepis Magna) الرومانية وصبراتا. وبسبب قربها من تونس، عرفت مدن الساحل الليبي الاستعمار الفينيقي، فتحولت إلى مرافئ مزدهرة، أعاد الاغريق استعمالها وحولوها إلى مدن كبيرة مثل ساحات (Cyrene). أما جبال الصحراء الليبية مثل تدرارت أكسوس فتحوي أهم رسوم تركها سكان ما قبل التاريخ على جدران مغاورها، تلك الرسوم التي تبرز صحراء اليوم كواحة خضراء تعج بالغزلان والزرافات ويسبح الناس في بحيراتها.

أهمية هذه المواقع الأربعة بالنسبة إلى سكان ليبيا أولاً وتاريخ البشرية ثانياً، أنّها أدرجت على لائحة التراث العالمي لمنظمة التربية والثقافة والعلوم التابعة للأمم المتحدة «اليونسكو». كذلك أضيفت إليها مدينة غدامس القديمة التي تعرف أيضاً بـ«لؤلؤة الصحراء» وتسكنها قبائل بربر الصحراء التي تنفرد هندسة بيوتها ومدنها بانطوائها وتلاصق بعضها ببعض، وبنائها بالطين والتراب وغصون البلح. وكانت مدينة غدامس مسورة بجدران عالية تعزلها عن العالم وتحميها من مخاطر الصحراء.
ولأنّ تاريخ ليبيا ومواقعها الأثرية تعيش اليوم خطر نهب الآثار بسبب الأوضاع الأمنية المتردية، ناشدت «اليونسكو» الأطراف المعنية بالفن والتراث وتجارة الآثار الدولية البحث والكشف عن قطع الآثار التي يمكن أن تكون قد تعرضت للنهب خلال الثورة التي تشهدها ليبيا. وقالت المديرة العامة لـ«اليونسكو» إيرينا بوكوفا في بيان أصدرته إنّه «ينبغي لتجار الآثار أن يكونوا على دراية بالآثار المنهوبة خلال الظروف الراهنة؛ فالتجربة أثبتت أن هناك خطراً داهماً يهدد الآثار خلال الاضطرابات الاجتماعية». وأضاف البيان: «هذه التجربة علمتنا أن هناك عمليات نهب يقوم بها أشخاص تضر بسلامة القطع الأثرية والمواقع الأثرية». وأوضحت بوكوفا أن «التجار المستهترين الذين يشترون هذه القطع كاملة، أو أجزاء منها، يحرضون على المزيد من أعمال النهب». وعرضت مساعدة «اليونسكو» في تقويم الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية الليبية وإعداد خطط عمل للحفاظ عليها «حالما يصبح ذلك ممكناً».
وأولى المقالات الصحافية التي نشرت عن آثار ليبيا كانت للوك هادرينغ، مراسل صحيفة «غارديان» البريطانية، الذي أنهى جولة استكشافية في متحف ليبيا القائم في وسط العاصمة طرابلس. وكتب هاردينغ الذي يدخل المتحف للمرة الأولى، قائلاً إنّ المبنى الذي كان قصر ملك ليبيا إدريس الذي أطاحه القذافي يحرسه اثنان، دخلا إليه مع باقي سكان المنطقة عندما وصل الثوار إلى طرابلس، فأجبروا ضباط القذافي الذين كانوا يختبئون خلف جدرانه على الهرب. ويقول هادرينغ إنّ ملابس عسكرية لا تزال في أرض المتحف، ملقاة خلف التماثيل الرومانية، حيث افترش بعض عسكريي النظام الأرض مطمئنين إلى أن طائرات الحلف الأطلسي لن تقصف المتحف لكي لا تدخل في سجال عالمي بشأن تدميرها المتعمّد لتاريخ ليبيا. وكان ضباط جيش الجماهرية وجنوده قد استخدموا مجمل غرف المتحف ما عدا المخصصة للكتاب الأخضر، لأن أهميته عُدّت في حينه أنّها توازي قطع ما قبل التاريخ والمنحوتات الرومانية، فأعطي جناحاً كاملاً في المتحف. أما الأقبية، فقد خزّنت فيها أغراض الملك والقطع التي كانت ترمز إلى حكمه، وقد تراكم عليها العفن.