بعلبك هي مدينة نشأة الإسلام في لبنان بامتياز؛ ففيها شُيّد أول مسجد. هناك، خلف معبد باخوس، يقبع أول جامع بُني في لبنان، هو مسجد «إبراهيم الخليل» الذي بناه المسلمون عقب فتحهم للمدينة سنة 635 ميلادية، ويعود محرابه إلى عهد الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب.

ولأنّ مسجد القلعة لم يكن كافياً، قرر الأمويون بناء جامع كبير داخل المدينة على أنقاض كنيسة بيزنطية. هو أكبر مساجد المدينة على الإطلاق، يزيد طول قاعة الصلاة فيه على 60 متراً، وعرضها على 50 متراً، وزينت قاعته بـ30 عموداً من الغرانيت أو الحجر نقلت من المعابد الرومانية المجاورة، ولا تزال تزين بعضها تيجان كورنثية. وكانت جدران المسجد ترتفع ثمانية أمتار، وكان قبل ترميمه في العقد الأخير يشبه بهندسته الجامع الأموي في دمشق. لكن المسجد خسر اليوم أهميته التاريخية. ويبقى مسجد رأس الحسين، في رأس العين ببعلبك، الذي شيد عام 681م واستخدمت في بنائه حجارة المعابد الرومانية، من أجمل مواقع المدينة الأثرية. وقد قام السلطان المملوكي الظاهر بيبرس بتجديده وتوسيعه عام 1277 حتى أصبح بطول 50 متراً وعرض 38 متراً، وبداخله 22 عموداً موزعة، جعلت المسجد ثلاثة مساجد في مسجد واحد، وله محراب ضخم ومنبر من الصخر.
ولبدايات الإسلام آثار ظاهرة في بيروت أيضاً. فزاوية الإمام الأوزاعي في بيروت تشهد على وصول الإسلام إلى العاصمة عام 719 م. الزاوية في وسط بيروت (سوق الطويلة سابقاً) كانت مركزاً للفقه والعلم، وعندما توفي الإمام الأوزاعي دفن في مقبرته التي تحولت إلى جامع في محلة حنتوس سابقاً، التي باتت اليوم تعرف بمنطقة الأوزاعي. والمكان هو المعلم العباسي الوحيد الذي بقي في لبنان.
أما أقدم مساجد العاصمة فيعود إلى القرن الثاني عشر، وهو الجامع العمري، وعرف أيضاً بجامع فتوح الإسلام.
تاريخ الجامع فريد؛ فبناؤه الحالي يعود إلى الفترة الصليبية، وشكله الهندسي هو الشكل المعتمد للكاتدرائيات؛ إذ شيّده الصليبيون خلال فترة حكمهم لبيروت، لكن في عام 1187 حوّل السلطان صلاح الدين الأيوبي الكنيسة إلى جامع بعدما احتل المدينة. ومع عودة الإفرنج عام1197، عاد الجامع ليصبح كنيسة القديس مرقس، وبقي كذلك حتى عام 1291 عندما استعاده المسلمون مع فتوحات السلطان المملوكي قلاوون. ويُعد المسجد من أجمل معالم العاصمة التي تخبر في جدرانها قصة ديانتين.
ولصيدا أيضاً جامعها العمري الذي بني على أنقاض كنيسة صليبية. الجامع الذي يعود إلى القرن الثالث عشر ميلادي هو أوسع جوامع المدينة ويطل على البحر. ولأن البحر هنا مهم جداً، شيّد حسن بن سواح عام 1373م جامع البحر، وهو المعلم المملوكي الوحيد الذي لا يزال باقياً في المدينة.
ولطرابلس المملوكية قصة أخرى مع الجوامع. فالسلطان خليل بن قلاوون أمر ببناء الجامع المنصوري الكبير في طرابلس عام 1294 في محلة النوري، وكانت له أربعة أبواب وترتفع مئذنته على أربع طبقات، فتأتي مغربية الطراز. وتميز الجامع الكبير في طرابلس بمحرابيه ومنبره الخشبي، واشتهر بحوض الوضوء والمصلى الذي تعلوه قبة من الحجر الرملي. وللجامع أهمية خاصة في رمضان؛ إذ فتحت في رواقه الغربي غرفة الأثر النبوي الشريف حيث توضع شعرة من لحية الرسول يزورها المؤمنون في هذا الشهر.
وتكتظ طرابلس بالجوامع؛ فعلى بعد ثلاث دقائق من الجامع المنصوري، يقع أحد أجمل مساجد لبنان وأفخمها: جامع «الأمير سيف الدين طينال الحاجب» الذي يعود إلى عام 1336. وهو يتألف من باحة رخامية وبيتين للصلاة، بوابته تحفة فنية في الفن المعماري المملوكي: جدرانها مزينة بالرخام الأبيض والحجر الأسود، وتتدلى من السقف الهوابط المزركشة والمنحوتة. أما من الداخل فتعلو غرفة الصلاة الأولى قبة ضخمة تقوم على أربعة أعمدة ضخمة من الغرانيت تعلوها تيجان كورنثية، وتعود الأعمدة والتيجان إلى الحقبة الرومانية. وتُعد مئذنة طينال فريدة من نوعها في العالمين العربي والإسلامي، وفيها درجان منحوتان في الحجر، يؤدي أحدهما إلى خارج الجامع، والآخر إلى داخله، ولا يلتقي فيهما الصاعد بالنازل أبداً. وتميزت الفترة المملوكية، خصوصاً في القرن الرابع عشر، بفورة بناء الجوامع في طرابلس: البرطاسي، العطار، التوبة، أرغون شاه وسيدي عبد الواحد، وهي تتقارب بهندستها.
ومع دخول لبنان تحت حكم السلطنة العثمانية، اقتصر بناء الجوامع على الحالات الضرورية، ففي دير القمر مثلاً، بنى الأمير فخر الدين الأول عام 1493 جامعاً في ميدان القرية التي كانت مقر حكمه. وتلك هي حال مسجد جبيل الذي شيده السلطان عبد المجيد عام 1648 بالقرب من القلعة ثم جدده الأمير يوسف الشهابي عام1783.
في جبل عامل، تكثر الجوامع القديمة التي تتميز بتزيين بسيط للواجهات، فيما تبنى قبب قاعات الصلاة بإتقان، مثل جامع بلدة بليدا في مرجعيون. لكن يصعب تأريخ هذه المعالم بغياب النقوش على مداخلها وضعف المراجع التاريخية عنها. ولم يعرف جبل عامل فورة بناء الجوامع الكبيرة في مدن الساحل بسبب الخلافات الدائمة مع المماليك والسلطنة العثمانية؛ إذ إن بناء الصروح الدينية هو تثبيت للوجود السياسي والديني.