طرابلس | «وضع سجن القبة في طرابلس خطير جداً، وعلى المسؤولين العمل من أجل تلافي حصول انفجار فيه سيصيبنا جميعاً». بهذه الكلمات لخصت مسؤولة مركز «ريستارت» لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، سوزان جبور، الوضع الحالي داخل سجن القبة، الذي وفق رأيها «لا يقلّ سوءاً عن سجن رومية، لكن الأخير خطف الأضواء من بقية سجون لبنان».


جبور كانت تتحدث خلال لقاء نظمه المركز في إطار برنامج «حماية وتعزيز حقوق السجناء في سجن طرابلس»، الذي ينفذه بدعم من منظمة «دروسوس» السويسرية التي مولت المشروع بمبلغ 50 ألف دولار، وعقد تحت عنوان: «أضواء على الظلمة: سجن طرابلس يضيق في ساكنيه» في فندق «كواليتي ـــــ إن» في طرابلس، الذي أُطلق فيه عمل «اللجنة القانونية لدعم وتعزيز حماية حقوق السجناء».
اللجنة، بحسب جبور، تضم عدداً من القانونيين من قضاة ومحامين، يعملون طوعاً لـ«تحسين أوضاع أماكن الاحتجاز وظروف حياة الأشخاص المحرومين من حريتهم بعد تفاقم هذه المشكلة، وعدم وجود الحلول ولا من يقدمها». وأملت جبور أن «تؤدي اللجنة دوراً فاعلاً في حماية حقوق السجناء والأشخاص المحتجزة حريتهم أينما كانوا»، مشيرة إلى أن مشروع دروسوس يهدف إلى حماية حقوق السجناء في سجن طرابلس وتعزيزها، ويستفيد منه المساجين إضافة إلى عناصر وضباط قوى الأمن الداخلي المعنيين بالسجون وأماكن الاحتجاز كافة في الشمال، من أجل المساعدة القانونية التي تشمل الاستشارات القانونية التي سيستفيد منها 200 سجين، فضلاً عن 40 سجيناً سيستفيدون من توكيل محام، مع ما يترتب على ملفاتهم من نفقات».
وكانت اللجنة التي عقدت اجتماعات طويلة منذ شهر آذار الماضي، قد باشرت إجراء مسح أولي عن أوضاع نزلاء سجن القبة، قبل أن تعقد اجتماعات مع نقيب محامي طرابلس بسام الداية لتوقيع مذكرة تفاهم بين اللجنة والنقابة، على أن يلي ذلك فتح باب التنسيق والتواصل مع الجسم القضائي، وفتح جسور النقاش مع وزارتي العدل والداخلية، إضافة إلى الهيئات الحكومية وغير الحكومية ذات الصلة بالموضوع.
خلال اللقاء عرضت جبور واقع سجن القبة، فأشارت إلى أنه «عندما بدأنا في شهر حزيران الماضي عملية المسح فيه، كان عدد نزلاء السجن 526 سجيناً، لكنه اليوم يضم 783 سجيناً، مع أنه مجهّز لأن يتسع في حالته القصوى 400 سجين، والسجناء الحاليون فيه موزعون على 16 غرفة، أي بمعدل 49 شخصاً في كل غرفة، ينامون على الأرض؛ لأنه لا أسرّة فيه، إلى جانب الجرذان التي حاولنا مع بلدية طرابلس التعاون للقيام بحملة لمكافحتها، لكن البلدية للأسف لم تتجاوب».
وعدّدت جبور «تردي وضع البنية التحتية للسجن، فالكهرباء عندما تنقطع لا يوجد مولد خاص ولا منافذ للتهوية، ما يجعل نسبة الأوكسجين في الغرف تتناقص وتسبب متاعب صحية للذين يعانون من أمراض الربو وغيرها، ولا مياه ساخنة فيه، فضلاً عن أن غرف السجن تعاني من نشّ للمياه نتيجة اهتراء شبكة المياه، ما يُفاقم المشاكل التي لها علاقة بحياة هؤلاء الأفراد داخل السجن».
وتطرقت جبور إلى مسألة الاكتظاظ داخل السجن، فعدّتها «مشكلة لا تسمح للعناصر الأمنية فيه العمل بارتياح، وخصوصاً أنه ليس في السجن أكثر من 55 عنصراً، ما يترك وضعاً ضاغطاً عليهم». ولفتت جبور إلى أنه «لا يوجد سوى طبيب واحد في سجون الشمال، والجهاز التمريضي كناية عن عنصرين ولا وجود لسيارة إسعاف، وهناك نقص في الأدوية، لدرجة أنه يتعذر أحياناً الحصول على حبة بنادول، فضلاً عن أنه لا يوجد سوى مساعد طباخ واحد فيه، يجب عليه إطعام نحو ألف شخص تقريباً بين سجين وعنصر أمن 3 مرات يومياً، ما يدفعنا إلى التساؤل عن نوعية الطعام الذي يقدمه، وفي حال مرضه أو غيابه ما هو البديل؟».
جبور التي أشارت إلى أنه «ليس في السجن مخرج طوارئ في حال حصول حريق»، أوضحت أن «السجين الذي لا تزوره عائلته لا يخرج من غرفته؛ لأن الفسحات ضيقة، لكن المشكلة الأكبر أنه عندما يُحدد موعد محاكمة أحد السجناء، لا تتوافر أحياناً سيارة أو عناصر لمواكبته إلى المحكمة، فتتأجل محاكمته!».
بعد ذلك عرض المحامي فهمي كرامي المسح القانوني الأولي لواقع السجناء الـ526 في سجن القبة، فأشار إلى أن «عاملات في مؤسسة فيستا ملأن استمارات أعدتها اللجنة للوقوف على الحالة القانونية للموقوفين، وتحديد الفئة التي ستستفيد من المشروع، فتبين أن عدد الموقوفين غير المحكومين 420، والموقوفين المحكومين 106، والذين لم يستعينوا بمحام 275».
وبحسب نتائج المسح المذكور، بلغ عدد الموقوفين منذ أقل من شهر 43، والموقوفين منذ أكثر من شهر وأقل من 6 أشهر 89، والموقوفين منذ أكثر من 6 أشهر 25، والموقوفين غير المحددة مدة توقيفهم 12، والموقوفين الذين تجاوزوا الحد الأقصى للتوقيف 113، والموقوفين الذين تجاوزوا الحد الأقصى للتوقيف الممدد 51.
وفي تحليل سريع لنتائج الاستمارات، أشار كرامي إلى «ارتفاع عدد الموقوفين نسبة إلى المحكومين، وارتفاع عدد الموقوفين الذين لم يحضروا جلسة محاكمة، وتجاوز الحد الأقصى القانوني لمدة التوقيف، وارتفاع نسبة الذين لم يستعينوا بمحامين، وبطء سير المحاكمات، وعدم تطبيق النصوص القانونية، ولا سيما لجهة المدة القصوى للتوقيف في الجنح والجنايات، وطول مدة مرحلة التحقيق وصدور القرار الاتهامي، ولا سيما مرحلة تبليغ القرار الاتهامي، وعدم ممارسة حقوق دفاع على نحو جدي، وغياب المحامي».
وبعدما أوجز كرامي ما ستقوم به اللجنة مستقبلاً بهذا الخصوص، ألقى الحاضرون مداخلات في الموضوع، حيث دعا العميد شربل مطر، الذي مثل المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي في اللقاء، إلى «إنشاء هيئة خاصة تعنى بشؤون السجون في لبنان، تضع هيكلية لإدارتها»، مشيراً إلى أنه «في ظل غياب هذه الهيئة، فإن الوضع في سجون لبنان سيبقى على حاله».