في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، كانت السيارة ترفاً. ومن دون مبالغة، استناداً إلى «أهل الذاكرة»، يمكن الجزم بأن أصحاب «الأحوال المتوسطة» كان عليهم أن يبذلوا مجهوداً، ويدخروا الأموال، لشراء سيارة. رئيس بلدية بيروت نفسه، بلال حمد، يتذكر كيف احتفلت عائلته في1967 باقتناء سيارة. كانت المدينة نفسها. الأحياء والأزقة نفسها. ومرتكزاً على مجلدٍ ضخم، فيه من الخرائط ما فيه، يؤكد حمد أن معظم المباني في بيروت ارتفعت خلال تلك الحقبة بالتحديد.


ارتفعت من دون أن تراعي تحوّل السيارات إلى «ضرورة» لبنانية. وكي يصبح هذا الازدحام مفهوماً، كان يجب أن تُرسَم المدينة بالأبيض والأسود، حين كانت السيارات تُركن أمام المنازل لقلّتها. كان أصحاب المباني، يؤجّرون الملاجئ الرديفة لها، كمستودعات لأغراض تجارية. وللمناسبة، يقول العارفون بتلك الفترة، إن الجيش كان يمنح «رخصة ملاجئ»، لما يعرفه المواطنون العاديون اليوم، بالمستودعات، التي يتوقعون أن تستقبل سياراتهم عوضاً عن نهش الأرصفة. وقد أكدت مصادر متابعة أن بلدية بيروت باتت مطالبة أكثر من مرة بحل «أزمة الأرصفة» قبل غيرها، وقد عرض نواب كتلة «المستقبل» الموضوع مع البلدية أكثر من مرة.
الحلول «المستقبلية» جميعها «فوق الأرض»، وخرائط حمد تثبت ذلك. لا مواقف تحت الأرض من الآن وصاعداً. العقارات الستة التي اشترتها البلدية، ستكون لإنشاء مباني مواقف. لن تكون المباني جديدة كسابقاتها، أي مواقف في الأسفل وحديقة في الأعلى، كما درجت العادة. فوفقاً لحمد، غالبية المواقف السفلية، لا تستطيع احتواء الأعداد المطلوبة من السيارات. اللافت في الموضوع أن حمد لا يجد حرجاً بالاعتراف بـ«سوء الطريقة التي تدير الدولة فيها الأمور». وهو، وإن اختار كلماته بعناية، يخلص إلى أن «القطاع الخاص في لبنان متقدّم تقنياً على القطاع العام». طبعاً لا يعني ذلك أنه «يبيع مرافق الدولة». الخصخصة «بعبع» للبعض هنا. فوفقاً للمشروع، ستلزّم المواقف العتيدة للشركات على قاعدة BOT، ما يعني أنها ستعود إلى الدولة اللبنانية. لكن ذلك سيكون بعد وقت طويل. ماذا عن احتكار الأسعار؟ يجزم حمد بأن البلدية ستراعي في دفتر الشروط موضوع الأسعار؛ لأنها إذا لم تفعل ذلك، فسيركن «الأشباح» سياراتهم فيه.
وبالنسبة إلى العقارات التي ستستخدمها البلدية، قبل بيعها للقطاع الخاص، فهي 6 عقارات، تراوح مساحة كل واحد منها بين 1500 و2000 متر، في مناطق «ساخنة» تتقاتل فيها السيارات على الركن. أولها، سيكون في منطقة مار الياس، حيث السوق الطويل ـــــ العريض، عند تقاطع الاستقلال. اسم التقاطع يوحي بقلة الزحمة، أو بمرحلة قليلة الكثافة السكانية، لكن الوضع تغير. وكما في مار الياس، في منطقة الظريف أيضاً، في شارع رشيد نخلة. للمناسبة، اسم الشارع الأخير يرتبط بالاستقلال أيضاً، فهو «مؤلّف» النشيد الوطني الميمون. وتبعاً لما يؤكده متابعون في البلدية، يشهد الشارع الأخير ازدحاماً «متوسطاً»، كما هي الحال في منطقة برج أبي حيدر، التي سيقام فيها مبنى آخر.
وسيبنى موقف في عقار يقع في الأشرفية ـــــ الرميل. ولعل أبرز المواقف المنتظرة، برأي حمد، والذي يملك أولويةً قصوى، سينشأ في شارع المقدسي، بالحمراء، على مقربة من السفارة السورية، إضافة إلى مبنى آخر «مهم» في كورنيش المزرعة، التي يعد البعض المرور في شوارعها أثناء أوقات الظهيرة العادية تمريناً شاقاً على الصبر. وفي حصيلة مبدئية، قبل انطلاق الدراسات، من مجلس الإنماء والإعمار، المؤهل الوحيد لإجرائها، بعد إلغاء مجلس مشاريع بيروت، في مطلع الألفية الجديدة، فإن كل عقار من العقارات سيستوعب نحو 500 سيارة. طبعاً هذه الإحصاءات قد تعدّل قليلاً، ولكن المهم في الأمر أن المشروع «ينتظر الدراسات الميدانية من مجلس الإنماء والإعمار». وقد يستغرق الأمر وقتاً طويلاً.
وإلى ذلك، ينتظر موقف شارل الحلو أن يفتتح، منذ القرار الشهير للوزير السابق زياد بارود. أخيراً، أصبح دفتر الشروط «على مكتب محافظ بيروت بالوكالة ناصيف قالوش»، كما يؤكد حمد. إذاً، الأمر ينتظر توقيعاً كريماً من المحافظ، كي يسهل أمور «النايت لايف» في الجميزة والمحيط. لكن في جميع الحالات سيكون التوقيع متأخراً؛ لأن الشهر الذي استغرقه المحافظ بالنظر إلى الدفتر، مرجح أن يطول، فيما يوشك الصيف على الانتهاء. في جميع الحالات، يُسرّ العارفون بشؤون المنطقة، أن «جماعة الفاليه باركينغ» لا يرغبون بافتتاح المحطة، لا بل يذهب البعض أبعد من ذلك، متهماً المحافظ، بالوكالة طبعاً، بأنه «يعرقل مشاريع البلدية لأسباب سياسية».
وإلى محطة شارل الحلو، ينتظر أن تتحول الأرض تحت حديقتي السيوفي، في الأشرفية، وحسن خالد في عائشة بكار إلى مواقف. يستدرك حمدسريعاً، «ستبقى الحدائق، لكن ستُضاف إليها مواقف، والدراسات الفنية جارية، لجرف بعض المساحات الخضراء من العاصمة». وفي ساحة الشهداء، التي تعجّ بالمواقف، يفترض أن يشهد الشهران المقبلان افتتاح موقف جديد، مؤهل لاستقبال 2500 سيارة، دفعة واحدة. اللافت أن المنطقة في الأيام العادية لا تبدو مؤهلة لاستقبال العدد نفسه من الأشخاص، على عكس الملعب البلدي، الذي أوشك مجلس الإنماء والإعمار على الانتهاء من مخطط ردمه وتحويله إلى مجمّع رياضي، وموقف سيارات يستقبل العدد نفسه الذي يستقبله موقف الشهداء، حيث تشهد منطقة الطريق الجديدة ازدحاماً رهيباً. وفي الإطار ذاته، لزّم مجلس الإنماء والإعمار دراسة إنشاء موقف في منطقة عين المريسة، ساحة تمثال جمال عبد الناصر، على أن ينتهي الأمر «قريباً جداً». لكن، هذا الوقت، «القريب جداً»، مرتبط باعتبارات سياسية لا ينفيها رئيس البلدية، من دون أن يتنصل من واجباته، التي باتت ملحة بشدة. وللأمانة، فإن شركة سوليدير سبقت البلدية، وجهّزت مواقف سفلية للسيارات تحت مشروع أسواق بيروت.
في المحصلة، لا يرى حمد حلاً حاسماً غير منع استيراد السيارات القديمة. لا يهم كم يكون عمرها كي تكون قديمة، لكن يجب أن يضع أحد ما حداً لتدفق الآليات في شوارع العاصمة. وأي حل غير هذا، يضعه الرئيس المتحمس في خانة «التخفيف» عن العاصمة.




«خصخصة» مواقف المدارس

لم تكتفِ بلدية بيروت بالعقارات الستة التي وضعت يدها عليها لإنشاء مواقف سيارات، لحل أزمة السير في العاصمة، بل تسعى إلى توفير مواقف عامة في المدارس الرسمية، بعد السماح لإدارات تلك المدارس بالحصول على شقّ من مواقفها، و«تأميم» الشقوق الكبيرة من المواقف. بيد أنه ليس «تأميماً» بالمعنى الدقيق للكلمة؛ ففي حالة المدارس أيضاً، ثمة دفتر شروط وتلزيمات. أما عن المدرستين، ضحيتي أزمة السير، حتى الآن، فهما مدرسة عمر الزعني قرب الإطفائية في الطريق الجديدة، ومدرسة شكيب أرسلان في ساقية الجنزير. ويتوقع رئيس بلدية بيروت، بلال حمد، أن تؤدي هذه الخطة، إلى توفير ملجأ لعشرة آلاف سيارة قبل 2013. يبدو الرقم عادياً، لكن، عملياً، هذا العدد عائم على أرصفة المدينة وهو مرجّح للارتفاع.